تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
قال تعالى :

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 159 إلى 162 ]

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ( 159 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 160 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 161 ) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 162 ) ولقد كان أهل الكتاب يعرفون مدى ما في رسالة الإسلام من حقّ ، وقد بيّنه اللّه فيما بأيديهم من كتاب . فهم وأمثالهم في أيّ فترة من زمان وفي أيّ بقعة من مكان ، ممّن يكتمون الحقّ الصراح ، أو يسكتون عن الحقّ وهم يعرفونه
أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ
فإنّهم خبثاء جبناء ، يرون مصالحهم في إخفاء الحقّ وإخماد الحقيقة ، ومن ثمّ فهم بعداء عن جادّة الشريعة البيضاء ، محايدون عن صريح الفطرة ونداء العقل الرشيد . بل أعداء الإنسانيّة في شتّى مجالاتها ، ومن ثمّ فهم ملعونون منبوذون ، يلفظهم الحقّ وتطردهم الحقيقة في واقعها الصريح . نعم ، الساكت عن الحقّ شيطان أخرس ، فقد تحوّلوا إلى ملعنة ينصبّ عليهم اللعنة من كلّ صوب ويشملهم لعن كلّ لاعن . واللعن : الطرد في غضب وزجر . وأولئك يلعنهم اللّه فيطردهم من رحمته ، ويطاردهم اللاعنون من كلّ جهة . فهم هكذا مطاردون من اللّه ومن عباده في كلّ دور وكور .
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا
رجعوا عن غيّهم
وَأَصْلَحُوا
ما كانوا أفسدوه
وَبَيَّنُوا
ما كانوا كتموه
فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ،
إنّها نافذة لهم مضيئة يفتحها اللّه لهم ، فتنسم نسمة الأمل في الصدور وتقود القلوب إلى مصدر النور ، فلا تيأس من روح اللّه ولا تقنط من رحمة اللّه . فمن شاء فليرجع إلى الحمى الآمن . وآية الصدق : التوبة والإصلاح في العمل والتبيين في القول ، وإعلان الحقّ والاعتراف به والعمل بمقتضاه . ثمّ ليثق برحمة اللّه وقبوله للتوبة وهو يقول :
وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
وهو أصدق القائلين . فأمّا الّذين يصرّون على باطلهم ولا يؤبون إلى الحقّ ، حتّى تفلت الفرصة وتنتهي المهلة ،