قال : « الرحمان ، رحمان الدنيا . والرحيم ، رحيم الآخرة » « 1 » . فيعني : الرحمانيّة العامّة الشاملة لجميع الخلائق في هذه الحياة . وأمّا الرحيميّة فهي خاصّة بالمؤمنين في الآخرة .
[ 1 / 336 ] وروي عن ابن عبّاس قال : هما ( الرحمان الرحيم ) اسمان رقيقان ، أحدهما أرقّ من الآخر » « 2 » . ومعنى « أرق » : ألطف وأنعم . أي إنّ رحمته تعالى الرحيميّة إنّما تشمل عباده المؤمنين بلطف وعناية بالغة ، هي أنعم وألطف من رحمته الرحمانيّة العامّة الشاملة لجميع الخلائق . فالمراد بالرقّة هنا هي النعومة والرفق البالغ ، وهي صفة الرحمة في ذاتها مفهوما ، لا شيء هو في ذات الموصوف ( أي اللّه تبارك وتعالى ) .
[ 1 / 337 ] وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام : « رحيم لا يوصف بالرقّة » « 3 » . وهذا على خلاف غيره تعالى حيث الرحمة منهم ناشئة عن رقّة في ذوات أنفسهم .
وقد حسب بعضهم الرقّة في حديث ابن عبّاس بإرادتها في الذات المقدّسة كما في سائر الناس ، فأنكر الحديث واحتمل التحريف وإرادة الرفق ( رفيقان ) !
قال الخطّابيّ : وهذا ( حديث ابن عبّاس ) مشكل ، لأنّ الرقّة لا مدخل لها في شيء من صفات اللّه تعالى . وقال الحسين بن الفضل البجلي : هذا وهم من الراوي ، لأنّ الرقّة ليست من صفاته تعالى في شيء ، وإنّما هما اسمان رفيقان ، أحدهما أرفق من الآخر . والرفق من صفات اللّه عزّ وجلّ .
[ 1 / 338 ] قال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنّ اللّه رفيق يحبّ الرفق ، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف » « 4 » .
وقد عرفت المعنى الصحيح لحديث ابن عبّاس !
[ 1 / 339 ] وجاء في حديث الإهليلجيّة عن الإمام الصادق عليه السّلام : « إنّ رحمة اللّه ، ثوابه لخلقه .
والرحمة من العباد شيئان : أحدهما يحدث في القلب ، الرأفة والرقّة لما يرى بالمرحوم من الضرّ والحاجة وضروب البلاء . والآخر ، ما يحدث منّا بعد الرأفة واللطف على المرحوم . . . » « 5 »
أي الرحمة من العباد ، إشفاق نفسي يتبعه إرفاق عملي . أمّا الرحمة من اللّه فهو فعله تعالى محضا ، فإشفاقه على العبد نفس إرفاقه به .
هامش
( 1 ) مجمع البيان 1 : 54 .
( 2 ) تقدم عن الأسماء والصفات 1 : 89 .
( 3 ) نهج البلاغة 2 : 100 ، الخطبة 179 .
( 4 ) القرطبي 1 : 106 .
( 5 ) البحار 3 : 196 .