تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1708

مساهمون:

ص١٧٠٨
بعقد من كريم الجواهر ، يشدّ إليه حبل من ليف . . إنه إهانة لعزيز ، وإذلال لكريم . . وإن الإهانة للعزيز ، والإذلال للكريم ، لأقتل للنفس ، وأنكى للقلب ، من إهانة المهين ، وإذلال الذليل ! فكلمة « جيد » هنا مقصودة لذاتها ، إنه يراد بها ما لا يراد بلفظ رقبة ، أو عنق . . إنها تنزل امرأة من عقائل قريش ، ومن بيوتاتها المعدودة فيها ، لتلقى بها في عرض الطريق ، وهي تحمل على ظهرها حزم الحطب ، وتشدها إلى جيدها بحبل من ليف ! ! ولهذا فزعت المرأة ، وولولت حين سمعت هذا الوصف الذي وصفها القرآن الكريم به ، فخرجت - كما يقول الرواة - في جنون مسعور ، تستعدى قريشا على النبي الذي هجاها - كما تزعم - هذا الهجاء الفاضح ، وعرضها عارية على الملأ ! وحق للمرأة أن تفزع وأن نجنّ ، فلقد كانت هذه الصورة التي رسمها القرآن لها ، وعرضها هذا العرض المذل المهين لها ، حديث قريش - نسائها ورجالها - ومادة تندرها ، ومعابثها ، زمنا طويلا . . وأكثر من هذا . . فإن النظم الذي جاءت عليه السورة الكريمة ، قد جاء في صورة تغرى بأن تكون أغنية يتغنى بها الولدان ، ويحدو بها الركبان ، ويتناشد بها الرعاة . . إنها تصلح أن تكون - في نظمها - غناء ، أو نشيدا ، أو حداء . . ولا نحسب إلا أنها كانت ، بعد أيام قليلة من نزولها ، نشيدا مرددا في طرقات مكة ، على ألسنة الصبيان ، وفي البوادي على أفواه الرعاة ، والحداة ، وأنها قد أخذت صورا وأشكالا من الأوزان ، والأنغام ، التي تولدت من نظمها العجيب المعجز . .