لقد ركب الطريق الذي لا نجاة لسالكه ، ولا سلامة لسائر فيه ، وكذلك امرأته التي ركبت معه هذا الطريق ، وعلقت فيه حبالها بحباله . .
والإخبار بالماضي عما لم يقع بعد ، إشارة تحقق وقوعه ، وأنه وإن لم يقع فهو في حكم الواقع ، إذ تقدمته أسبابه ، وقامت علله ، التي تدفع به دفعا إلى الواقع المحتوم . . وفي هذا الخبر إلفات للأنظار إلى هذا الطاغية الأثيم ، وهو يلبس رداء الهلاك والضياع ، على حين لا يزال شبحا يتحرك بين الناس . . إنه أشبه بالمحكوم عليه بالموت ، ينتظر ساعة التنفيذ فيه ! ! وقوله تعالى :
« ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ »
.
هو تعقيب على هذا الخبر ، فقد هلك أبو لهب ، ونزل به ما نزل من هوان وخسران ، دون أن ينفعه هذا المال الذي جمعه ، واعتز به ، ولا هؤلاء الأبناء الذين اشتد ظهره بهم . . لقد تخلى عنه ماله وولده جميعا ، وتركوه لمصيره الذي هو صائر إليه . . إنه في قيد الهلاك وهو بين أيديهم . . فهل يستطيع أحد أن يمد يده إلى نجاته ؟ إنه بين مخالب عقاب محلق به في السماء . . إن سقط من بين مخالبه هلك ، وإن مضى به هلك ! ! وما كسبه أبو لهب ، هو أولاده ، لأن الولد من كسب أبيه ، ومن تثميره ، كما يقول النابغة الذبياني .
مهلا فداء لك الأقوام كلّهم * وما أثمر من مال ومن ولد
قيل إن أبا لهب قد أصيب بداء يسمى العدسة - ولعله الطاعون - وكانت العرب تخشى هذا الداء ، وتتحاشى المصاب به ، وكان ذلك بعد غزوة بدر ببضعة أيام ، فلما مات بدائه هذا ، لم يقترب أحد من أبنائه لمواراته في التراب ، خوفا من