تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 949

مساهمون:

ص٩٤٩
ولكنه سبحانه وتعالى ، لم يشأ ذلك فيهم ، وترك لهم مجال النظر ، والاختيار ، والتحرك من الكفر إلى الإيمان ، إن شاءوا . . فمشيئتهم مطلقة عاملة ، غير معطلة ، وبهذا لا تكون لهم على اللّه حجة . وهذا يعنى أن الخطاب هنا - وهو لجماعة المشركين - يشير إلى أن فيهم من سيتحولون من حالهم تلك ، ويخرجون من هذا الظلام ، ويلحقون بالمؤمنين ، ويدخلون في دين اللّه . . فالفرصة لا تزال في أيديهم ، لن تفلت منهم بعد . . وإن السعيد منهم من سبق ، وأخذ مكانه على طريق الإيمان ، قبل أن تفلت الفرصة من يده قوله تعالى : *
« وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ . . أَ فَلا يَعْقِلُونَ »
مناسبة هذه الآية لما قبلها ، هي أن الآيتين السابقتين ، حملتا مع هذا التهديد الذي حملته إلى المشركين ، دعوة إلى المبادرة إلى الإيمان باللّه ، واستباق الزمن قبل أن يفوت الأوان . . وهنا في هذه الآية ، دعوة أخرى إلى المبادرة واستباق الزمن . . حيث أنه كلما طال الزمن بهم لم يزدهم طول الزمن إلا نقصا في الخلق ، وإلا ضعفا في التفكير ، حيث يأخذ الإنسان عند مرحلة من مراحل العمر في العودة إلى الوراء ، وفي الانحدار شيئا فشيئا ، حتى يعود كما بدأ ، طفلا في مشاعره ، وخيالاته ، وصور تفكيره . . فالزمن بالنسبة لهؤلاء المشركين ، ليس في صالحهم ، وأنهم وقد بلغوا مرحلة الرجولة الكاملة ، لا ينتظرون إلا أن ينقصوا لا أن يزدادوا ، وعيا وإدراكا ، وأنهم إذا لم تهدهم عقولهم إلى الإيمان بهذا الكتاب الذي بين أيديهم فلن يهتدوا بعد هذا أبدا ، بل سيزدادون ضلالا إلى ضلال ، وعمى إلى عمى . .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 949 | عبد الكريم الخطيب