تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
للمبالغة في النفي ، وإنه نفى لازم لا يتعلق بزمن ، بل هو واقع في الزمان كله ، ماضيه وحاضره ومستقبله ، على خلاف النفي بلا الذي يقيّد النفي بالمستقبل وحده . . تقول : لا أفعل هذا الأمر ، إذا كنت على نية ألا تفعله ، حالا أو استقبالا ، فإذا قلت : ما أفعل هذا الأمر ، كان المعنى ، أنه لا يليق بك ، ولا ينبغي منك أن تفعله أبدا ، وأنه ما كان منك فعله في الماضي ، ولن تفعله حالا أو مستقبلا . . وعلى هذا جاء قوله تعالى لنبيه الكريم :
« قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ »
( 86 : ص ) . . أي ليس لي أن أسألكم أي أجر على ما بلغتكم من رسالة ربّى في أي وقت من الأوقات . . ومنه قوله في هذه السورة - سورة الفرقان -
« قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا »
. ( 75 ) وعلى هذا ، فإن تسلط حرف النفي « ما » على الفعل « يعبأ » يعنى أن خلق الناس إنما كان لحكمة أرادها اللّه ، وأنه لولا هذه الحكمة لما اتجهت إرادة اللّه سبحانه إلى خلقهم ، وهذه الحكمة هي أن يعبدوه ، وفي هذا يقول اللّه تعالى :
« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »
( 56 : الذاريات ) ، فخلق النّاس ، وقيومة اللّه سبحانه وتعالى عليهم ، وتسخير ما سخّر لهم ، وإنعامه بما أنعم به عليهم - إنما كان ليعبدوه ، ولتتجلّى فيهم آيات قدرته ، وعلمه ، ومن أجل هذا عبأ اللّه سبحانه وتعالى بهم ، ونظر إليهم ، وجعلهم خلقا من خلقه ! ! . وقد يسأل سائل : فيقول : إن أكثر الناس لا يعبدون اللّه أي لا يدعونه ، ولا يعترفون بوجوده ، فكيف تتحقق حكمة اللّه من خلق الناس ؟ وكيف يعبأ بهم ، وهم لا يعبدونه ولا يدعونه ؟ . وقد أجبنا على هذا الاعتراض من قبل ، إذ قلنا : إن الذين آمنوا باللّه ،
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 67 | عبد الكريم الخطيب