تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
فيلقى هذا النداء الكريم ، وهذا اللطف اللطيف بهذا العناد اللئيم ، الذي وصفه اللّه تعالى في قوله :
« فَكَذَّبَ وَعَصى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى * فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى »
( 21 - 24 النازعات ) . وعلى غير هذا تماما ، كان موقف عباد اللّه المؤمنين ، الذين يعرفون للّه قدره ، ويذكرون له فضله . . ومن هؤلاء داود وسليمان . . عليهما السلام . . لقد آتاهما اللّه خير ما يؤتى الإنسان من فضل وإحسان ، وهو العلم ، الذي من ملكه ، ملك أقوى ما على هذه الأرض من قوة ، يستطيع بها أن يستولى على سلطان هذا العالم كله . . ومع هذا ، فإنهما استقبلا هذه النعمة الجليلة العظيمة ، بالحمد ، والشكر ، والولاء للّه ، وخفض الجناح لعباد اللّه ، ولكل ما خلق اللّه . . حتى إن سليمان عليه السلام ، وهو في أروع مظاهر سلطانه ، وفي أعظم مجالي قدرته وقوته ، يقف بين يدي أضعف مخلوقات اللّه ، وهي النملة . . فيأخذ منها العبرة والعظة ، وينظر من خلال ملكها إلى ملكه العريض ، فيرى أن لها سلطانا كسلطانه ، وملكا كملكه ، وسياسة رفيقة رحيمة ، أروع وأعظم من سياسته ، فلا يملك إلا أن يخشع لسلطان اللّه بين يديها ، ويسبح بحمده وجلاله . فيقول في محراب ملكها الذي تسبح فيه بحمد اللّه :
« رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ »
! فأين موقف فرعون ، من هذا الموقف ؟ وأين الأرض من السماء ؟ وأين الباطل من الحق ، والعمى من الهدى ؟ وأين أعداء اللّه من أولياء اللّه ؟ . وفي قوله تعالى :
« وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً »
إشارة إلى أن الذي أعطاهما اللّه إياه من العلم ، هو - على عظمته وجلاله - شئ قليل ، لا يكاد يذكر