فليكن القميص إذن واحدا من الأقمصة التي كان يلبسها يوسف ، والتي علق بها بعض عرقه ، فكان فيها ريحه . .
أمّا كيف يجد يعقوب ريح يوسف في هذا القميص ، على هذا المدى البعيد ، الذي أحد طرفيه مصر ، والطرف الآخر في الشام ؟ . فهذا السؤال يرد على أي قميص . . سواء أكان القميص الذي يقال إنه قميص إبراهيم أم أي قميص آخر غيره ! .
والذي علينا أن نصدّقه هو أن يعقوب وجد ريح يوسف ، وهو في مصر ، ويعقوب في الشام ! .
أما هذه الريح التي وجدها يعقوب ، فهي إما أن تكون ريحا شمّها بأنفه على الحقيقة ، كما تشمّ أرواح الأشياء ، ذات الريح . . وإما أن تكون الريح هذه مشاعر وخواطر ، مثّلت له يوسف قريبا منه ، مقبلا إليه ، أشبه بالطيف الزائر في المنام ، أو الخاطر المسعد في أحلام اليقظة . . وذلك كلّه من ألطاف اللّه بيعقوب ، ومن إشراقات النفس الصافية ، وانطلاقات الروح من كثافة المادة ، وقيود الجسد ! .
ونحن في حياتنا اليومية كثيرا ما يقع لنا في أحلام اليقظة شئ مثل هذا أو قريب منه ، فنتمثل شخصا لم نره منذ زمن بعيد ، فإذا بنا بعد قليل نلتقى به ! أو يرد على خاطرنا فيقع كما ورد ! . . فكيف بنبىّ كريم من أنبياء اللّه في إشراق روحه ، وصفاء نفسه ؟
وأما كيف كان لهذا القميص أن يعيد إلى يعقوب بصره بمجرد أن ألقى عليه . . فلهذا أكثر من قول يقال هنا . .
فلك أن تقول إنه آية من آيات اللّه ، أجراها اللّه سبحانه وتعالى بين يدي نبيّين كريمين . . يعقوب ويوسف ! أو قل هي معجزة جعلها اللّه سبحانه
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 44
مساهمون: عبد الكريم الخطيب
ص٤٤