التعرف على اللّه ، والإيمان به ، وليس سبيل العقل إلى العلم والمعرفة ، هو القهر والقسر ، وإنما سبيله النّظر والاقتناع ، في جوّ من الحرّية المطلقة ، البعيدة عن الضغوط المادية ، أو المعنوية . .
فالإيمان الذي يكون تحت أىّ مؤثر خارجي ، يختل العقل ، أو يقهره ، هو إيمان مدخول ، لا يطمئن إليه القلب ، ولا تتأثر به المشاعر ، ولا يجنى منه صاحبه ما يجنى المؤمنون من إيمانهم من ثمرات طيبة مباركة . .
ولهذا كان أمر اللّه سبحانه وتعالى إلى نبيه الكريم بأن تكون دعوته قائمة على هذا المنهج الذي يمثّل الكمال كلّه في غرس المعارف ، وتربية النفوس :
« ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ »
. . ومن الدعوة بالحكمة مراعاة مقتضى الحال ، ومخاطبة كل قوم بما يعرفون ، وأخذهم بالرفق والتلطّف ، واختيار الوقت المناسب للموعظة التي يراد وعظهم بها ، حتى تتقبلها النفوس ، وتنتفع بما فيها من خير . .
إن الرسول طبيب يحمل الدواء إلى العقول ، والقلوب ، والأرواح . .
ومن هنا كانت مهمته عسيرة شاقة ، يحتاج معها إلى بصيرة نافذة ، تتدسس إلى خفايا النفس الإنسانية ، وتضع يدها على موطن الداء . ثم تختار من الدواء ما يشفى العلة ، ويذهب بالداء . .
وقوله تعالى :
« وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ »
هو بيان لمرحلة من مراحل الدعوة ، وهي المرحلة التالية ، للدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة . . فالرسول مطالب بأن يعرض دعوته في أسلوب من الحكمة والموعظة الحسنة ، فإذا تقبّل المدعوّون دعوة الرسول في هذا الأسلوب ، من غير عناد أو جدال ، فذاك ، وإن كان من المدعوين عناد وجدال ، فلا يلقى النبىّ المعاندين المجادلين ، معاندا