تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1286

مساهمون:

ص١٢٨٦
وتتلفت الأنظار هنا إلى امرأة العزيز ، وتصغى الآذان إلى ما تقول في هذا المقام ، وهي رأس هذا الأمر كله . . فما ذا قالت امرأة العزيز ؟ . *
« قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ »
لقد قهرها الحق ، فأقرت على نفسها بمشهد من هذا الملأ : « أنا راودته عن نفسه » . . فقد ظهر الحق ، ولم يعد ثمة سبيل إلى إخفائه . « أنا راودته عن نفسه » : تقولها هكذا صريحة مؤكّدة « أنا راودته عن نفسه » ! ولم تكتف بهذا العرض الذي تعرض فيه نفسها في معرض الاتهام الصريح المؤكد ، بل تستحضر يوسف الذي لا يزال في سجنه ، وتستدعى صورته التي لا تزال تملأ خيالها فنقول : « وإنه لمن الصادقين » . . أي إنني لكاذبة فيها تقوّلته عليه ، وإنه لصادق فيه نفى هذا الاتهام عنه . . وفي قول يوسف : « فاسأله ما بال النسوة » دون أن يشير إلى امرأة العزيز - أدب عال لا يصدر إلا ممن تأدب بأدب السماء ، من أنبياء اللّه ورسله .
« ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ »
أي إنّى أقرر ذلك ، وأشهد به على نفسي في غير مواجهة ، وذلك ليعلم أنّى لم أكذب عليه في غيبته ، حيث لا يستطيع الدفاع عن نفسه ، ودفع ما أتقوّله عليه . وفي قولها : « ذلك ليعلم أنّى لم أخنه بالغيب » اعتذار منها ليوسف ، وتودّد إليه ، وفتح لباب الصفح والمغفرة بينها وبينه . - وفي قولها :
« وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ »
تعليق على ما كان منها من كيد وخيانة ليوسف ، وأن هذا التدبير السيّئ قد فضحه اللّه ، وأخزى أهله . . وهكذا كل باطل لا بد أن تكشف الأيام زيفه ، وتفضح وجهه المطلى بالزور والبهتان . . وفي هذا ما يدلّ على حسرتها على ما كان