أو استحياء ! وهذا غاية التدلّى والإسفاف في عالم الإنسان ، إلى درجة لا ينزل إليها كثير من عالم الحيوان . . حيث تأبى على بعض الحيوان طبيعته أن يتصل بأنثاه على مرأى من بنى جنسه ! بله اتصاله بذكر ! الأمر الذي لم تعرفه الكائنات الحيّة ، إلا في هذا الصنف الرّذل الخسيس من الناس ! - وفي قوله تعالى :
« وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ »
عرض لسيرة هؤلاء القوم ، وفضح لمخازيهم ، وأن هذا الذي جاءوا إليه ليس ابن يومه ، وإنما هو داء تعاطاه القوم من قبل ، فكان طبيعة غلبت عليهم ، حتى لقد صار عادة مألوفة عندهم ، وأمرا مستقرا فيهم ، ليس فيه ما يثير أي إحساس عندهم بالخزي أو الاستحياء . .
وقد عبّر القرآن عن هذا المنكر الذي يتعاطونه بالوصف المناسب له ، دون أن يذكر اسمه ، تقزّزا له ، وصيانة للأفواه أن تتلفظ به ، وللأسماع أن يقع عليها . .
ومن جهة أخرى ، فقد جاء القرآن بوصفه جمعا . . هكذا : « السيئات » للدلالة على أنه منكر غليظ مركّب ، وأنه ليس سيئة ، بل هو سيئات ، وليس منكرا ، بل هو منكرات ! - وفي قوله تعالى :
« يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ »
دعوة لهم إلى أن يكون أربهم وشهوتهم للنساء . . لا للرجال ، فذلك هو الوضع الطبيعىّ للحياة الإنسانية . . فهو - عليه السلام - يدعوهم إلى التزوج ببناته ، وإلى التعفف بالزواج بالمرأة والاتصال بها ، حتى يعفّوا عن ارتكاب هذا المنكر ، والاتصال بالرجال . .
وفي هذا يقول اللّه تعالى على لسان لوط لهم :
« إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ * أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ »
( 28 - 29 العنكبوت ) .