العقاب الذي يستحقونه بما فعلت أيديهم . . وذلك أنه - سبحانه - لو آخذ كل إنسان بذنبه عاجلا لقضى إليه أجله بعد كلّ ذنب يقع منه ، ولكان الناس جميعا في معرض الهلاك ، إذ لا يسلم إنسان من أن يواقع معصية ، أو يرتكب ذنبا . . وهذا من شأنه ألّا يدع لإنسان فرصة ليكفّر عن خطيئته ، ويستغفر لذنبه ، ويرجع إلى ربّه . . وفي هذا يقول اللّه تعالى :
« وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ . . وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى . . فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً »
( 45 : فاطر ) .
وإذن فهذه نعمة من نعم اللّه على الناس ، ورحمة من اللّه بهم أن لم يعجّل لهم الشّرّ ، وهو أخذهم بذنوبهم من غير إمهال . . وهذا من شأنه أن يكون داعية لأن يعيد الإنسان النظر إلى نفسه ، وأن يصلح ما أفسد ، وأن يتصالح مع ربّه فيما ارتكب من إثم ، فتلك فرصة ينبغي ألا يفوته انتهازها ، وهو في عافية من أمره ، وفي فسحة من أجله .
والتعبير عن التعجيل بالعقوبة ، وتنفيذ حكم اللّه في المذنب بإهلاكه - والتعبير عن هذا بالشرّ ، إنما هو بالإضافة إلى الإنسان الذي يقع عليه هذا الحكم ، فهو شر بالنسبة له ، إذ يحول بينه وبين أن يجد الفرصة التي يصحح فيها موقفه ، ويرجع إلى ربه .
قوله تعالى :
« وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ »
في هذه الآية يكشف اللّه سبحانه وتعالى عن ضلال الإنسان ، وكفره بنعم اللّه ، وجحوده لإفضاله عليه ، وإحسانه إليه .