والاحتيال على التخلص من هذه البلوى التي ابتلاهم اللّه بها . . فهناك أمّة منهم ، أي جماعة أرادت أن تنصح للقوم وتدعوهم إلى الصبر على حكم اللّه فيهم ، فقامت جماعة أخرى تحاجّ تلك الجماعة ، وتدعوها إلى أن تترك القوم وشأنهم ، ليلقوا المصير الذي أعدّه اللّه لهم ، وقالوا :
« لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ »
في الدنيا
« أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً »
في الآخرة ؟ وقد ردّت عليهم الجماعة التي أرادت أن تنصح وترشد بقولها :
« مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ »
أي إنما ننصح لهم لئلا يكون لهم على اللّه حجة ، ولعلّ في هذا النصح ما يذكرهم باللّه ، وبانتقامه من المعتدين ، فيفيئوا إلى الرشد والهدى . .
وانظر كيف يمكر القوم بعضهم ببعض ؟ وكيف يضنّ بعضهم على بعض حتى بالكلمة التي تنبّه إلى الخطر ، وتوجّه إلى السلامة ؟
إن هذا الجدل الذي ذكره القرآن هنا ، إنما هو بين أهل العلم والرأي فيهم ، فقد انقسم هؤلاء إلى فريقين : فريق يريد أن ينصح ويرشد ، وفريق يعترض هذا العمل ، ويقول بعدم جدواه ، وأن يترك القوم لمصيرهم المشئوم !
« فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ »
.
وقد مضى الناصحون في طريقهم ينصحون ويدعون إلى التزام أمر اللّه في حرمة السبت ، ولكن القوم ظلّوا على ما هم فيه من بغى وعدوان .
أما الذين نصحوا ، وكانوا ينهون عن السوء فقد نجاهم اللّه ، وأما الذين ظلموا واعتدوا فأخذهم اللّه بعذاب بئيس ، أي قاهر مذلّ . . بما كانوا يفسقون . .
« فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ »
.
العتوّ : مجاوزة الحدّ في البغي والعدوان ، والخروج عن حدود اللّه في غير تحرّج .
فقد بغى القوم أولا ، فاعتدوا على حرمات اللّه ، في خوف وحذر . . فأخذهم