تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 865

مساهمون:

ص٨٦٥
إنهم أشكال متعددة ، وأنماط مختلفة . . ولكنهم جميعا على طريق النفاق سائرون ، وعلى نية التخلف عن الجهاد قائمون . .
« وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ »
. . والمعذّرون هم أصحاب الأعذار ومختلقوها . . فخلق الأعذار واصطناعها هو عملهم ، والصفة الغالبة عليهم . . كما يقال : المهندسون ، والمعلمون . . فهم صناع الأعذار ، لا صنعة لهم غير هذا . . والأعراب : جمع أعرابي ، وهم سكان البادية . وانظر في وجه النظم القرآني ، يشهدك على هؤلاء الأعراب ، وقد جاءوا من شتى الجهات ، بعد أن سمعوا دعوة الرسول إليهم بقوله .
« انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ »
- جاءوا لا لينتظموا في صفوف المجاهدين ، ولا ليقاتلوا في سبيل اللّه ، وإنما جاءوا ليعتذروا عن الجهاد ، وليقدموا من المعاذير ما في جهدهم ، كما يقدم المجاهدون في سبيل اللّه أموالهم وأنفسهم ! ! فما أتعس هذا المجيء ، وما أشأم ذلك السعي ! قوله تعالى :
« وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ »
هو الوصف الذي وصف به أولئك المعذّرون ، والسّمة التي وسموا بها . . فهم الذين قعدوا متخلفين عن الجهاد ، وهم الذين افتروا الكذب على اللّه ورسوله ، بهذه الأعذار التي اختلقوها وجاءوا إلى النبىّ بها . . وفي هذا الخبر تهديد ووعيد لهم . . إذ ليس مرادا به الإخبار عنهم ، وأنهم قعدوا ، وإنما هو خبر يكشف عن جريمة غليظة ، ويحدّث عن منكر عظيم . . وفي قوله تعالى :
« وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ »
حكم عليهم بالإدانة ، وبأن هذه الأعذار التي اعتذروا بها إنما هي محض كذب وافتراء . . إذ هم الذين كذبوا اللّه ورسوله . . وقد عدل عن الضمير إلى الاسم الظاهر ، ليعرضوا هذا العرض الكاشف عن كذبهم ، ويسمعوا حكم اللّه عليهم . .