تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 858

مساهمون:

ص٨٥٨
هو بيان من اللّه سبحانه للنبىّ ، في موقفه من المنافقين ، إذا هو رجع من غزوته تلك . . فإن من هؤلاء المتخلّفين من تخلّف لا عن شك في دينه ، أو ارتياب في عقيدته ، ولكن قعد به فتور همته أن يلحق بالركب ، وأن يجمع عزمه المشتت ، ليقطع حبال التردد العالقة به ، فلمّا أن فاتته الفرصة ، ولم يعد في استطاعته أن يلحق بالجيش المجاهد ، استبدّ به الندم ، واستولت عليه الحسرة ، وضاقت عليه الأرض بما رحبت . . ومن هؤلاء المتخلفين من تخلّفوا عن نية فاسدة ، وعقيدة منافقة ، ودين مريض . . فهؤلاء هم المنافقون حقّا ، وهم الطائفة التي أشار إليها قوله تعالى :
« فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ »
. . إنّهم يريدون أن يحتفظوا بمكانهم في المسلمين ، وأن يأخذوا موقفهم مع المجاهدين ، وذلك بأن يتخيّروا الزمان والمكان اللذين يخرجون فيهما مع المجاهدين . . فإذا كانت الشقة بعيدة ، والحرّ شديدا أو البرد قارصا ، تبطّئوا ، وجاءوا بالمعاذير والعلل ، وإن كانت الشقة قريبة ، والمغانم دانية ، أخذوا مكانهم في صفوف المسلمين . وفيهم يقول اللّه تعالى :
« لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ »
( 42 : التوبة ) . . وليست هذه سبيل المؤمنين المجاهدين ، وإنما سبيلهم قائمة على نيّة منعقدة أبدا على الجهاد والاستشهاد في سبيل اللّه ، ومن كانت تلك سبيله ، وهذه غايته ، فإنه لا ينظر إلى نفسه ، ولا يعمل حسابا لمغنم أو مغرم ، وإنما حسابه كلّه مضاف إلى الانتصار لدين اللّه ، والإعزاز لكلمة اللّه . ولهذا ردّ اللّه سبحانه هؤلاء المنافقين ، ومحا اسمهم من ديوان المجاهدين ، وأمر نبيّه الكريم أن يبعدهم عنه ، وأن يعزلهم عن مجتمع المسلمين المجاهدين ،