وقولهم :
« لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ »
قد يكون من حديث بعضهم إلى بعض ، وتحريض بعضهم لبعض على ترك الجهاد في الحرب ، وذلك ليكثر عددهم ، وتقوى جبهتهم ، وليكون للمتخلف منهم وجه من العذر ، بكثرة المتخلفين غيره .
وقد يكون هذا القول منهم على إطلاقه ، يقولونه لكل من يلقاهم من المؤمنين ، ليفتروا به الهمم ، ويكسروا العزائم ، حتى لا يجتمع على دعوة النبىّ للجهاد ، الجيش الذي يخرج به في هذه الغزوة . . وبهذا لا ينكشف أمر المنافقين الذين عقدوا العزم على التخلّف عن الغزو ، حيث لا يخفّ أحد للجهاد ، إذا صحّ ما قدّروه ، وعملوا له ، من إشاعة الدعوة في الناس ، بألّا ينفروا في الحرّ .
وقوله سبحانه :
« قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ »
هو ردّ مفحم على هذه القولة التي تنادى بها المنافقون بقولهم :
« لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ »
. . فإن تركهم النفير في الحرّ يوقعهم في حرّ أشد هولا من هذا الحرّ ، الذي يعتبر بردا وسلاما إذا قيس بحر جهنم . . فلو أنهم عقلوا هذا ، وفقهوه ، لما اشتروا عذاب الآخرة بلفحات الهجير هذه ، التي يخشون لقاءها في طريقهم إلى الجهاد . .
ولكنهم قوم لا يفقهون . .
وقوله تعالى :
« فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ »
هو وعيد لهؤلاء المنافقين ، الذين فرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللّه ، وقالوا لا تنفروا في الحرّ . . إنهم لن يهنؤهم هذا الفرح ، ولن يطول مقامهم في ظل هذه العافية التي هم فيها . . فما هي إلا أيامهم الباقية لهم في هذه الدنيا ، ثم إذا هم في العذاب الأليم الدائم ، لا يفترّ عنهم وهم فيه مبلسون . .
وقوله تعالى :
« فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ »
.