وقد جاء مكررا ثلاث مرات في الحديث عن يوم حنين . . هكذا . .
« وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ . . ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ »
« ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ . . . »
« ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ . . »
والعطف بثم هنا في هذه المواضع الثلاثة ، أفاد أمرين :
أولهما : الترتيب الزمنى في وقوع هذه الأحداث . . فقد وقع المسلمون أولا في اضطراب وذعر ، والتمسوا الخلاص مما هم فيه من بلاء ، ولم يكن ذلك بالميسور لهم . . ثم كان الفرار وتولية الأدبار هما طريق النجاة . . ثم كان من اللّه توبة ومغفرة لمن فرّ منهم وولّى المشركين دبره في القتال .
وثانيهما : التغاير بين وجوه هذه الأحداث المتعاطفة ، بحيث يبدو أن عنصر الزمن لا بد أن يكون عاملا هنا في تحريك الأحداث ، حتى تتغير وتبلغ الصورة التي جاءت عليها . .
والذي ينظر إلى الموقعة - موقعة حنين - من الظاهر ، يجد أنها حدثا واحدا ، متلاحم النسج ، وأن ليس هناك أي فاصل زمنى يفصل بين مجريات الأمور في هذا الحدث . . فهي معركة واحدة ، احتواها زمن واحد ، لم يجاوز غدوة يوم . . ولكن الذي ينظر إلى المعركة نظرا أعمق وأرحب ، يجد أنها لم تكن معركة واحدة ، وإنما هي معارك متصلة ، بدأت بمعركة هزم فيها المسلمون ، ثم انتهت بمعركة كتب اللّه لهم فيها النصر . .
فالمعركة الأولى ، لها حسابها وتقديرها ، وحكمها ، وهي الهزيمة المطلقة للمسلمين . . فقد أحاط بهم العدوّ ، وأوقع في صفوفهم الفوضى والاضطراب . .
الأمر الذي يسلم إلى الهزيمة التي لا مفرّ منها . .