تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ »
هو استكمال لما حرّمه اللّه من منكرات ، مما يتلوا الرسول الكريم على الناس من كتاب ربه . . وفي النهى عن قتل الأولاد خشية الفقر ، بعد أمر الأبناء ببرّ الآباء - في هذا ما يكشف عن تلك المفارقة البعيدة بين ما يكون من الأبناء من برهم بآبائهم ، وبين ما يأتيه هؤلاء الآباء من قتل أولئك الأبناء . . وفي هذا ما فيه ضلال وسفه ، وخروج على مألوف الطبيعة ، فيما بين الكائن الحىّ ومواليده . . من حيوان ونبات ! ! وفي قوله تعالى :
« وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ »
قدّم رزق الآباء على الأبناء ، لأن الآباء هنا في فقر واقع بهم ، وفي ضيق استولى عليهم ، فقتل فيهم مشاعر الإنسانية ، حتى طوعت لهم أنفسهم قتل أولادهم ، شفقة عليهم ، وإراحة لهم من آلام الجوع ، وقسوة المسغبة ، فجاء قوله تعالى :
« نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ »
ليشعر الآباء بأن اللّه متكفل برزقهم ورزق أبنائهم معا ، وأن هذا الضيق الذي هم فيه سوف يعقبه فرج ، وأن هذا الرزق الضيّق الذي هم فيه فعلا ، هو قسمة بينهم وبين أبنائهم ، فهم فيه سواء ، وأنه ليس للآباء أن يقتلوا أولادهم وهم شركاؤهم في هذا الرزق المحدود الذي في أيديهم . . وقد جاء قوله تعالى في سورة الإسراء :
« وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ »
بتقديم رزق الأبناء على الآباء ، لأن الآباء في تلك الحال ليسوا في حال ضيق وفقر ، وإنما هم على شعور الخوف من الفقر مستقبلا ، فهم يقتلون أولادهم في تلك الحال لا لفقر وقع ، وإنما لخشية الفقر المتوقّع ، الذي قد يكون وجود الأبناء سببا في التعجيل به - فجاء قوله تعالى :
« نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ »
ليدفع هذا الشعور ، وليقيم مكانه شعورا مضادا له ، وهو أن
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 345 | عبد الكريم الخطيب