تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
فالأول عمل من أعمال الرسول لدعوة الناس إليه ، والثاني تلاوة من كتاب اللّه الذي بين يديه . . ومن هنا نجد أكثر من فاصل يفصل بين المقطعين من الآية : فهناك فاصل زمنىّ - حسىّ ومعنوي - بين الدعوة ، وحضور المدعوّين ، وبين إسماعهم ما حرّم اللّه عليهم في كتابه . . وهناك فاصل اعتباري ، حيث أن المقطع الأول هو - في ظاهره - من كلام الرسول ، ومن عمله ، على حين أن الثاني من كتاب اللّه نصّا ، يتلوه الرسول من مستودعات اللّه في قلبه . . وثانيا : قوله تعالى
« وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً »
بالعطف على النهى قبله :
« أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً »
هو من لوازم هذا النهى ومن مقتضياته . . فإن النهى في حقيقته أمر سلبىّ ، يقتضى الوقوف من المنهىّ عنه موقفا مجانبا له ، أو منسحبا منه . . ومن تمام الحكمة أن يعقب تجنّب المنهىّ عنه ، الخروج به من هذا الموقف السلبىّ إلى ما يقابله من عمل إيجابىّ . . فإذا امتثل الإنسان النهى عن الشرك باللّه ، وانخلع عن عبادة من عبدهم من دون اللّه ، كان عليه أن يؤمن باللّه ، وأن يتقبل أوامره ويعمل بها . . ومن إعجاز القرآن الكريم هنا أن يجئ الأمر بالإحسان إلى الوالدين عقب النهى عن الشرك باللّه ، ليملأ هذا الفراغ الذي وجد بإجلاء الشرك عن قلوب المشركين ، أو بغروب شخصه من آفاق المؤمنين . . فالأمر بالإحسان إلى الوالدين هنا ، هو في المكان الذي كان من المنتظر أن يحلّ فيه الإيمان باللّه ، محلّ الشرك ، بعد أخلى مكانه ، وزال شخصه . . وفي هذا ما فيه من تعظيم حق الوالدين ، وجعل برهما والإحسان إليهما ، أشبه بالإيمان باللّه . . أما الإيمان باللّه هنا فهو واقع لا شك فيه بعد أن جلا الشرك ، الذي كان هو الحاجز الذي يحول بين المشركين وبين الإيمان باللّه . . ثالثا : قوله تعالى :
« وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 344 | عبد الكريم الخطيب