تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
الذي ينتفع به صاحبه ، فالكلمة التي تدخل على الإنسان من طريق سمعه ، لا تثير تفكيرا ، ولا تحرك وجدانا ، ولا تهزّ شعورا ، إلا إذا كانت ذات مدلول محدّد واضح . . وهذا لا يكون إلا إذا استقلّت بذاتها ، واتخذت طريقها من السمع إلى مواطن الإدراك والشعور من الإنسان ، غير مختلطة بغيرها ، مما يسبقها أو يلحقها من كلام . ومن هنا أيضا ندرك السّرّ في قوله تعالى :
« وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا »
. . فإن أبرز ما في هذا الأمر من حكمة ، هو نقل كلمات اللّه ، من اللسان ، إلى الأذن ، ثم إلى العقل والقلب ، في صورة سويّة واضحة ، ليكون مفهومها سويّا واضحا . . فالإنسان له سمع ، وإن بدا أن هذا السمع هو أسماع ، في استقباله لعشرات الأصوات ومئاتها ، دفعة واحدة . . والمطلوب من الإنسان أن يستعمل سمعا واحدا ، ليكون لما يسمعه معقول ، ومفهوم ، وثمر ! أما حاسّة البصر ، فهي على خلاف حاسّة السمع . . إذ أن العين تستطيع أن تضبط كثيرا من صور المرئيات في نظرة واحدة ، كما أنها تستطيع أن تعاود النظر في الشيء المرئي لها ، مرّة ومرة ، ومرات كثيرة ، حتى تتحققه وتستيقنه . . ومن هنا كانت العين مجموعة من الأعين ، بتردّدها على الشيء ، ومعاودتها النظر إليه ، حالا بعد حال ، وليس كذلك الأذن التي إن أفلت منها الصوت الملقى إليها ، لم يكن في الإمكان ردّه ، فقد ذهب أدراج الرياح ، ولا يمكن أن يعود ، وإن أمكن استدعاء مثله ، من مصدره الذي جاء منه . . والقلب ، في تأثّره بالمحسوس ، من مرئى ، ومسموع ، ومشموم ، وملموس ، هو أشبه بالعين ، في قدرته على معاودة النظر إلى تلك الصور التي تلقى بها الحواس إليه ، فيعيش معها زمنا ، على هيئة خواطر ومشاعر ووجدانات ، يشكّل منها جميعا عالمه الذي يعيش فيه ، ويستملى منه نزعاته وسلوكه .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 184 | عبد الكريم الخطيب