هناك إله غير اللّه يأتيكم بهذا الذي أخذه اللّه منكم ؟
وفي التعبير بالفعل « أخذ » إشارة إلى أن هذه النعم هي منحة لهم من عند اللّه ، وفضل من أفضاله على عباده ، وللّه - سبحانه وتعالى - أن يأخذ منهم ما أعطى ، ويستردّ ما منح ، ولا اعتراض لهم عليه . .
وإذا كانوا لا يحيون بغير هذه الحواس من سمع وبصر ، ولا يكونون من عالم البشر إلا بهذه القلوب ، فإن عليهم أن يبحثوا عن جهة تعيد إليهم ما أخذ منهم ، أو مثل هذا الذي أخذ منهم ، إن كان بهم حاجة إلى وجودهم في عالم البشر .
وإنهم مهما جدّوا في البحث ، واجتهدوا في السعي ، لن يجدوا غير اللّه لهذا الذي يطلبونه . . فما لهم لا يؤمنون به ؟ وما لهم يعبدون من دونه ما لا يملك لهم ضرا ولا نفعا ؟ أليس ذلك ضلالا وسفها ؟ وبلى إنه الضلال والسّفه والخسران المبين . .
وفي إفراد السّمع ، وجمع الأبصار والقلوب ، إعجاز من إعجاز القرآن ، وآية من آياته ، على علوّ متنزّله ، وأنه تنزيل من ربّ العالمين .
فالسّمع من وظيفته أن يتلقى الأصوات ، وأن يميز بينها ، ويمسك بالواضح المميز منها ، وإنه لن يحقق هذا ، أو يتحقق له هذا ، إلا إذا عزل الصوت الذي يريد استقباله ، عن كل ما يتصل به من أخلاط الأصوات الأخرى . . وهذا يعنى أن السّمع وإن اتسع لمئات الأصوات المختلطة ، فإنه لا يميز إلا واحدا منها ، بالإصغاء إليه ، وعزل ما سواه عنه ، وإلا كان المسموع له ، أصواتا لا مفهوم لها ، إلا على أنها دوىّ كدوىّ النحل مثلا ! ومن هنا كانت الحكمة في إفراد السّمع ، في القرآن ، وفي جميع الآيات التي ذكر فيها ، وذلك من القرآن ، هو توجيه لوظيفة السمع ، وإقامتها على الوجه
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 183
مساهمون: عبد الكريم الخطيب
ص١٨٣