تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
ذلك فما نفعهم هذا الدواء ، ولا ذهب بما بهم من داء . . بل زادهم هذا الرزق الكريم ، كفرا باللّه ، ومحادّة له . . وإنه إذ لم يكن في البأساء والضراء ، ولا في النعمة والرخاء ، ما يصحح معتقد هؤلاء القوم في اللّه ، ويقيمهم على طريقه - كانت الثالثة ، وهي القاضية ، التي فيها الهلاك والدمار . . وهذا هو حكم اللّه فيهم ، وأخذه لهم :
« حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ »
وإنه لأخذ أليم شديد . . إذ كانوا على حال من البهجة والمسرّة ، وفي مقام من الأمل المزهر والرجاء العريض ، فتهبّ عليهم عاصفة جائحة ، تنتزعهم انتزاعا على حين غفلة ، وهم على تلك المائدة الحافلة بشهىّ الطعام والشراب ، وإذا الأيدي الممدودة إلى المائدة تتجمد في طريقها إليها ، وإذا الشّفاه المترشفة للكئوس المترعة تيبس عليها ، وإذا العيون السارحة بين ألوان الطعام والشراب تجمد حدقاتها ، وينطفئ بريقها . .
« وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ . . إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ »
( 102 : هود ) . . فلو أن هؤلاء المشركين ، أخذوا وهم في لباس البأساء والضرّاء لخفّف عليهم مرارة الموت ، ما هم فيه من مرارة الحياة التي يحيونها ، ولكنهم تجرعوا كأس المنية مرّا مترعا ، وفي أفواههم ، وعلى ألسنتهم ، طعوم وطعوم ، من كل حلو وشهىّ ! والإبلاس : الحسرة الشديدة ، والمبلس : الذي وقع في معصية ولا حجة له ، ولا عذر بين يدي العقاب الذي وقع به . وقوله تعالى :
« فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ »
هو آخر ما يشيّع به هؤلاء الهالكون ، وما يتبعهم من دنياهم إلى المصير الذي هم صائرون إليه . . لقد قطع دابرهم ، أي اجتثّ كل شئ لهم ، ومحيت آثارهم ، ولم تبق منهم باقية . . إنهم وباء وبيل ، ومرض خطير ، يتهدد الإنسانية بالفساد