تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 798

مساهمون:

ص٧٩٨
وهذا الانتقال السريع من الإثم إلى الطاعة ، والانخلاع من متابعة الشيطان إلى ملاقاة اللّه - هذا الانتقال من شأنه أن يحدث في النفس هزّة مزلزلة ، وأن يثير في كيان الإنسان انقلابا عاصفا ، حين يرى تلك المفارقة العجيبة البعيدة بين الموقفين اللذين وقفهما ، والذي لا يبعد أحدهما عن الآخر غير خطوة . . إنه في هذا الموقف - أكثر من غيره - يدرك فرق ما بين الضلال والهدى ، والظلام والنور ، ومتابعة الشيطان ، ولقاء وجه الرحمن . . إن هذا الموقف جدير به أن يحمل الإنسان - في قوة - على مخالفة هواه ، والرجوع إلى اللّه ، رجوعا لا يلتفت بعده إلى وراء أبدا ! ! قوله تعالى :
« وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا »
هو عطف على قوله سبحانه :
« وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ »
وهما - أي المتعاطفان - واقعان تحت حكم النهى في قوله تعالى
« لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ . . »
فكما لا يقرب شارب الخمر الصلاة حتى يفيق ويعلم ما يقول ، كذلك لا يقرب الجنب الصلاة حتى يتطهر بالاغتسال . . ! أي لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ، ولا تقربوها وأنتم جنب حتى تغتسلوا . إن شأن الصلاة عظيم ، وأمرها جليل ، وإذ كان هذا شأنها وذلك أمرها ، فإنه يجب ألا يدخل حماها ، ولا يتلبّس بها إلّا من كان أهلا لأن يلقاها ، وبأنس بها ، ويتجاوب معها ، ويستشعر جلال اللّه على سنا أضوائها . . والمخمور غير أهل لهذا اللقاء . . حتى يفيق ويتخلص خماره ، ويعود إليه عازب عقله ويستردّ إنسانيته التي افتقدها مع سكرته - والجنب غير أهل هذا اللقاء أيضا . . حتى يغتسل ويتطهر ، وينزع عنه بهذا الاغتسال ما تلبّس به من مشاعر الحيوانية ، ليعود إنسانا ، كما كان من قبل أن يتلبس بما تلبس به ! والجنب ، والجنابة : كناية عن مباشرة النساء .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 798 | عبد الكريم الخطيب