الجزاء عنده ، هي الحارس الذي لا يغفل ، وهي الوازع الذي يقوم حجازا بين ظلم الناس للناس ، وبغى الناس على الناس .
وقوله تعالى :
« إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ »
هو استثناء متصل ، وليس استثناء منفصلا كما ذهب إلى ذلك الزمخشري ، وأكثر المفسّرين . .
فالتجارة : هي من تلك المائدة الممدودة بين الناس « أموالكم » ، بل هي الوجه الواضح من هذه المائدة ، إذ كانت أكثر الأموال دائرة في فلك التجارة ، متداولة بين أيدي الناس عن طريقها . .
وفي عمليات التجارة ، ربح وخسارة .
وفي جانب الربح قد يحصل كثير من الناس على أموال طائلة . . ! وهذه الأموال التي ربحها الرابحون هي خسارة قد خسرها آخرون ! والصورة في جانب الرّبح تبدو وكأنها أكل لأموال الناس بالباطل ، ذلك الأكل الذي ورد صدر الآية الكريمة بالنهى عنه ! فهل هذا المال - مال الربح في التجارة أيا كان من الكثرة - هل هو داخل في هذا المال المنهي عن أكله بالباطل ؟ وهل يتناوله الحكم الواقع عليه ؟
هذا ما استثناه اللّه تعالى في قوله :
« إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ »
.
فهذا المال ليس من الباطل في شئ . . هو مال حلال ، إذ جاء عن عمليات بيع وشراء ، لا قهر فيها ، ولا تدليس أو غشّ ، بين البائعين والمشترين .
وفي قوله تعالى :
« وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً »
دعوة إلى صيانة الأنفس وحفظها ، بعد الدعوة إلى صيانة الأموال وحفظها . .