تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1057

مساهمون:

ص١٠٥٧
أتباعه من اليهود . فقد أشاع اليهود من أتباع المسيح أنهم هم الذين وجّهوا دعوته تلك الوجهة فأخرجوها على هذه الصورة التي لبس المسيح فيها ثوب الألوهية ، وقام فيها مقام اللّه . . ولعلنا نذكر هنا دور « بولس الرسول » وهو يهودي ، ومن أتباع المسيح ، وحامل لواء التبشير بالمسيحية خارج دائرة اليهود . فقد كان هو الذي أباح ما حرمته الشريعة من حلّ لحم الخنزير ، والتحلل من الختان ، بل وحرمته ، دون أن يلتفت إلى أن المسيح نفسه قد ختن ، حسب الناموس ! وثمرة هذا النسيان المتعمد هي هذا الخلاف الشديد بين أتباع المسيح . . ذلك الخلاف الذي لا تزيده الأيام إلا عمقا واتساعا ، إذ أباح هذا التأويل الفاسد حرمة الأناجيل ، وجعل لكل ذي نظر أن يتأول ما يشاء ، ويقول ما يريد ، بعد أن أهدرت معاني الكلمات المقيدة بألفاظها ، وأصبحت الألفاظ رموزا وإشارات ، وأحلاما وأضغاث أحلام ، يتأولها كل حسب رأيه واجتهاده ، غير مقيد بقيد ، ولا محتكم إلى لغة . وهذه العداوة ليست عداوة ترجع إلى اجتهاد في فهم النصّ ، بقدر ما هي عداوة ترجع إلى تضارب الأهواء ، واختلاف المنازع ، ومن هنا لم تكن مجرد عداوة بين علم وجهل ، بل كانت عداوة محملة بشحنات ثقيلة من البغض والكراهية ، لأنها عداوة بين هوى وهوى ومشرب ومشرب ! ثم إن هذه العداوة المحملة بأثقال البغضاء ليست عداوة موقوتة بوقت ، ولا محدودة بزمن . . وإنما هي عداوة موصولة ، متجددة ، لا تنقطع أبدا :
« إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ »
. قوله تعالى :
وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ »
أي سيعلمون يوم القيامة فساد هذا الذي صنعوه ، وغيّروا به وجه رسالة المسيح ودعوته . . وفي لفظ « يصنعون » دلالة على أن أسلوبهم هذا الذي جروا عليه مع
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1057 | عبد الكريم الخطيب