تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1054

مساهمون:

ص١٠٥٤
الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ . . »
( 46 : النساء ) . وهذا شاهد يشهد بلسان الواقع أن الأبناء والآباء على سواء ، في قسوة القلوب ، وجرأتها على اللّه ، وتبديلها لكلماته ! قوله سبحانه :
« وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ »
. . الضمير هنا راجع إلى آباء اليهود ، وأنهم لم يقفوا عند حدّ التحريف والتبديل لكلمات اللّه ، بل لم يعملوا بما ظل سليما من تحريفهم في الكتاب الذي بين أيديهم . . ذلك أنه بعد أن استقرت التوراة على ما فيها من تحريف ، وتداولتها الأيدي ، لم يكن من سبيل إلى إدخال تحريف عليها - فكان تحللهم من الأخذ بما لا يرضون من أحكام التوراة الباقية عندهم ، هو الطريق البديل لهم من التحريف ، لو كان ذلك التحريف مستطاعا لهم . . فعملهم هذا هو تحريف بصورة أخرى ، بما يتأولون به النصوص ، ويخرّجونها عليه ، حسب ما تمليه أهواؤهم . . وقوله تعالى :
« وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ »
هو خطاب للنبي الكريم ، وأنه يجد بين يديه من خيانات اليهود لأمانة الكلمة ، وشرف العهد ما يصل حاضر اليهود بماضيهم ، وأنهم أبدا على خيانة للّه ، ولرسول اللّه ، ولعباد اللّه ! وفي التعبير عن الخيانة بالخائنة ما يكشف عن هذا الأسلوب الخبيث الذي يتخذه اليهود في خياناتهم ، وأنه أسلوب قائم على المداهنة والنفاق . . حيث يخرج اليهود خيانتهم في خبث ودهاء ومواربة ، فلا يلقون بها إلا حيث لا ترصدهم العيون ، ولا تواجههم الوجوه ! وقوله تعالى :
« إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ »
هو استثناء لجماعة قليلة من اليهود ، قد سلمت من هذا الداء الخبيث الذي اشتمل على القوم ، ولم يبق على شئ منهم
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1054 | عبد الكريم الخطيب