هو جانب من جوانب الصورة التي عرض اللّه فيها هؤلاء المنافقين ، وإنهم لأصحاب ثرثرة ولغو ، كلما وقعت لآذانهم كلمة طاروا بها ، وألقوا بها إلى كل أذن ، دون أن يتبينوا ما يسمعون ، أو يعرفوا وجهه . . إن اللغو وتقليب وجوه الكلام هو تجارتهم الرابحة ، وبضاعتهم الرابحة . . لا يتكلفون له جهدا ، ولا يخشون من ورائه سوءا . . فما هو إلا أحاديث تروى ، وأخبار تتناقل ، لا يدرى أحد مصدرها ، ولا يعرف من هو صاحبها . . وعلى هذا الغذاء الخبيث يعيش المنافقون ، ومن هذا الجوّ المغبّر يتنفسون . .
فهم يثرثرون بكل ما يسمعون من خير أو شر :
« إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ »
أي نطقوا به ، وصحبوه معهم إلى كل مكان . . فليس يرضيهم أن يذيعوا هذه الأحاديث في الناس ، وإنما هم وراء هذه الأحاديث المذاعة يدفعونها بين أيديهم ، ويشهدون آثارها في الناس . . وهذه ما يشير إليه النظم في قوله تعالى
« أَذاعُوا بِهِ »
وهو غير ما يراد بالفعل « أذاعوه » الذي يضيف إليهم إذاعة الأحاديث وتنقلها بعد أن يدفعوا بها الدفعة الأولى . .
أما قوله تعالى :
« أَذاعُوا بِهِ »
فإنه يجعلهم يدورون مع هذه الأحاديث حيثما دارت .
وقوله تعالى :
« وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ »
هو توبيخ لهم على هذه الخفّة وذلك الطيش اللذين يحملانهم على هذا الجري اللاهث بكل كلمة يسمعونها ، أو وراء كل كلمة أو شائعة ، تقال هنا أو هناك . . إنهم لو عقلوا ، أو كانوا على بصيرة من أمرهم ، لراجعوا أنفسهم عند كل خبر يلقى إليهم ، وعند كل شائعة ترد على أسماعهم ، فإن التبس عليهم شئ ، أو اختلط عليهم أمر ، ردّوه إلى الرسول ، فكشف لهم وجه الحق منه ، ووقف بهم على موارده الصحيحة ، وأراهم الطريق القويم الذي يلقونه فيه . . فإن لم يكن لهم إلى الرسول سبيل ، كان في أولي الأمر منهم ، وفي