تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 844

مساهمون:

ص٨٤٤
والامتثال ، لما يدعوا إليه . . فإذا زايلوا مجلس الرسول ، وخلوا إلى أنفسهم « بيّت طائفة منهم غير الذي تقول » وأنكروا على أنفسهم هذا القول الذي قالوه من قبل ، وأقاموا أمرهم على خلافه . . فلا استجابة ولا طاعة . . ولكن عصيان ومخالفة . . وفي قوله تعالى :
« وَيَقُولُونَ طاعَةٌ »
ازدراء لهؤلاء القوم ، وتحقير لهم ، وذلك بالحديث عنهم بضمير الغائب ، لأنهم ليسوا أهلا لأن يشرفوا بخطاب ربّ العالمين . . ثم كان الحديث عنهم بالضمير المبهم ، دون ذكرهم والكشف عن ذواتهم ، امتهانا لهم ، واستخفافا بشأنهم ، حتى لكأنهم أهون من أن يتعرف عليهم ، وأضأل من أن تظهر لهم ذاتية مميزة لهم . . وفي قوله تعالى :
« فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ »
إشارة أخرى إلى ضمور ذواتهم ، وضئولة شأنهم . . وأنهم في مجلس الرسول ، وبين أهل هذا المجلس ، شخوص ضامرة ، وشخصيات باهتة ، يندسون بين الناس ، في حذر ، وفي خفية ، حتى لا تأخذهم العيون ، ولا تفضح مستورهم النظرات . . هكذا شأن المنافقين ، يعيشون دائما وراء ستار من الحذر ، والتلصص ، ولا يغشون المجالس إلّا في حرص شديد على ألا تأخذهم العيون ، ولا ترتفع إليهم الأبصار . . وفي التعبير بقوله تعالى :
« بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ »
تصوير معجز لحال هؤلاء المنافقين ، الذين كانوا في مجلس الرسول أشباحا لا تكاد ترى ، حتى إذا خرجوا من مجلس الرسول ، تطاولت أعناقهم ، وشمخت أنوفهم ، وانتفضت أجسامهم ، فإذا هم أشبه بالطواويس خيلاء وإعجابا ! يستعرضون الناس ، ويعرضون على أنظارهم هذا الوجه الجديد منهم ، وكأنهم بذلك يستوفون