هذه الدنيا ، لأجل محدود ، ومتاع قليل بهذا المال الذي استبقوه لاستيفاء حظوظهم من الشهوات واللذات . . ثم ما هي إلا لمحة كلمح البصر ، وإذا هم في موقف الحساب والجزاء . . وإذا هم وأنفسهم التي ضنّوا بها ، وأموالهم التي أمسكوا عن الإنفاق منها ، خصمان يقتتلان ، وإذا هذا المال يتحول إلى أداة عذاب ونكال ، يطوّق أعناقهم بأطواق ثقال ، ثقل ما جمعوا وكنزوا :
« سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ »
.
الآيتان : ( 181 - 182 ) [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 181 إلى 182 ]
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 181 ) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 182 )
التفسير : في معرض البخل بالمال والحرص عليه ، يمثّل اليهود أسوأ صورة ، وأقبح مثل لما يبلغه إنسان في هذا الباب . .
فالمال عند اليهود - كل يهودي - هو كل شئ ، فاليهودي إذا سلم ماله فلا عليه إذا تلف كل شئ ، وضاع منه أي شئ . . من دين أو خلق .
لهذا ، جاءت الآية الكريمة - بعد أن كشفت الآية السابقة عن جريمة البخل ، والعقوبة التي أعدها اللّه لمرتكبيها - جاءت لتكشف عن درجة من البخل لم يعرفها الناس إلا في هذا الصنف المحسوب من الناس . . إنهم لم يجمعوا المال من وجوه الحرام والسحت وحسب ، ولم يضنوا عن الإنفاق منه في سبيل الحق والخير وحسب ، بل بلغ بهم السّفه والفجر إلى تحدّى اللّه به ، وإعلان الحرب الوقاح عليه ، فكانت قولتهم الآثمة تلك ، التي حكاها القرآن