تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 653

مساهمون:

ص٦٥٣
وأكثر من هذا . . لو أن هذا الإنسان اطلع الغيب فرأى - وهو الفقير المعدم - أنه بعد كذا من السنين سينال الغنى الواسع والثراء العريض ، وأنه سيشبع من جوع ، ويكتسى من عرى ، وينال ما يشتهى من متع الدنيا ، بعد هذا الحرمان الطويل . . ما ذا تراه في يومه هذا ، وهو ينتظر ذلك اليوم الموعود ؟ إنه يعيش تلك السنين الفاصلة بينه وبين هذا اليوم ، في عذاب ، دونه كل عذاب . . إنه يعدّ الأيام لحظة لحظة ، ويدفع مسيرة ، الزمن بكل ما في كيانه من قوى ظاهرة وباطنه . . والزمن قائم في وجهه ، جاثم على صدره ، كأنه جبال الدنيا كلها مجتمعة عليه . . إنه يودّ أن ينام نومة أهل الكهف فلا يستيقظ إلا على يومه الموعود . . ولكن أنّى له ذلك ، وهو مشدود إلى الحياة ، مقيد بقيود الزمن الثقيلة العاتية ؟ من رحمة اللّه علينا إذن كان هذا الذي صنعه اللّه بنا ، فحجب عنّا ما أراده لنا ، وما قضاه علينا ، فنعمل بإرادة ، ونمضى بعزم ، ونعيش مع أمل . . فقوله تعالى :
« وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ »
دعوة للمؤمنين إلى العمل حسب ما يأمرهم اللّه به ، وبين تلك الأوامر الجهاد في سبيل اللّه ، والثبات في وجه العدوّ ، والعمل على انتزاع النصر منه . . ذلك هو المطلوب من المؤمنين في مثل هذا الموقف . . أما ما يؤول إليه الأمر ، وما يسفر عنه القتال ، فذلك علمه عند اللّه . . وعلى المؤمنين أن يرضوا بما يقع ، أيّا كان ، بعد أن امتثلوا أمر اللّه ، وأعطوه كل جهدهم . يقول جعفر الصادق رضى اللّه عنه لزرارة : « يا زرارة . . أعطيك جملة في القضاء والقدر ؟ قال : نعم ، جعلت فداك ، قال : « إذا كان يوم القيامة وجمع اللّه الخلائق ، سألهم عما عهد إليهم ، ولم يسألهم عما قضى عليهم » . . وهذه كلمة فيها مقطع القول في القضاء والقدر ، وعلى من يحتجون بالقضاء والقدر . . إنهم مطالبون بما كلّفوا به ، وغير مطالبين بما قدّره اللّه عليهم . .