تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 647

مساهمون:

ص٦٤٧
والرسول الكريم يعلم أن ليس عليه إلا البلاغ ، ولكنّ حرصه على هداية الناس ، ورغبته الشديدة في استنقاذهم من الضلال في الدنيا ، والنار في في الآخرة ، يجعله يفرض على نفسه أن يبالغ في النصح لقومه ، وتعهدهم بتوجيهه وإرشاده ، كما يتعهد الأب صغاره . . ولهذا كان صلوات اللّه وسلامه عليه ، يأسى أشد الأسى ، إذ يرى هذا العناد الذي يملأ الرؤوس من قومه ، ويمسكهم على شفير الهاوية ، التي تهوى بهم إلى عذاب السعير . . ولهذا أيضا كانت كلمات اللّه تتنزل عليه حينا بعد حين ، تدعوه إلى الرفق بنفسه ، وألا يحمله حبّه للخير الذي يريد غرسه في قلوب الناس إلى ما هو فيه همّ وحسرة وقلق . .
« إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ »
( 56 : القصص )
( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ »
( 8 : فاطر ) . فهؤلاء الذين يسارعون في الكفر هم الخاسرون ، قد ألقوا بأيديهم إلى التهلكة ، ولن يضرّوا اللّه شيئا . وفي التعبير بالظرف « في » في قوله تعالى :
« يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ »
بدلا من « يسارعون إلى الكفر » ما يشير إلى أنهم قد دخلوا في حوزة الكفر فعلا ، حتى لقد صار الكفر ظرفا يحتويهم ويشتمل عليهم ، وهم يتحركون في داخله ، ليبلغوا الغاية في الكفر والضلال . وفي قوله تعالى :
« إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً »
تهوين لشأنهم وأنه لم يكن لينتفع بهم المسلمون لو كانوا معهم ، لما في قلوبهم من مرض ، وما في كيانهم من فساد ، كما أنهم وقد تحوّلوا إلى الجبهة المعادية للمسلمين فإنّهم لن يكون لهم أثر في مسيرة الدعوة الإسلامية ، وفي انطلاقها إلى المدى الذي أراده اللّه لها ، والخسران في هذه الصفقة واقع عليهم وحدهم . .
« ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ »
( 33 : المائدة ) .