تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
المعركة ، وفريق فرّ مثخنا بالجراح ، محملا بخزي الهزيمة وعارها مثقلا بالحزن والألم ، لما فقد من أهل وأحباب . وتغلى مراجل الضغينة والحقد في رؤوس المشركين ، وتتحول مكة كلها إلى ذئاب عاوية ، تتردد في بيوتها ، وفي أنديتها ، وطرقاتها أصداء هذا العواء المسعور ، تسبّ وتتوعد ، « محمدا » ومن اجتمع إليه من مهاجرين وأنصار . . ثم ها هي ذي تجىء إليه محملة بحقدها ، مشحونة ببغضائها ، لتلقاه في يوم كيوم بدر ، تراق فيه الدماء ، وتتناثر الأشلاء ، ويتقطع فيه ما بقي بينه وبين قومه من أواصر الرحم والقرابة . . فما أمرّ هذا وما أقساه ! ! ويأسى النبىّ الكريم لهذا ويحزن ، وكان يودّ ألا يبلغ الأمر بينه وبين أهله إلى هذا الحدّ ، وهو الذي جاءهم بالهدى والرحمة ، ودعاهم إلى البر والتقوى . ولكن القوم أبوا إلّا إعناتا له ، وخلافا عليه ، وإمعانا في توجيه الأذى والضرّ إليه وإلى من اتبعه ، حتى لقد حملوه على أن يهاجر من موطنه ، ليخلص بدينه ، وليجد له طريقا غير هذا الطريق المسدود ! فكان قول اللّه تعالى :
« لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ »
عزاء للنبيّ ، وتخفيفا لما وجد في نفسه من تلك الحال التي وقعت بينه وبين أهله وذوى قرابته . . كما كان فيه إلفات لهؤلاء المشركين إلى الجهة التي نالتهم بهذا السوء الذي حلّ بهم ، جزاء كفرهم وعنادهم ، وأنها جهة لا تنال . . إنها يد اللّه القوى العزيز ، لا يد محمد ، ولا أصحاب محمد ، وفي هذا تيئيس لهم من أن يأخذوا بثأرهم الذي احتسبوه على محمد وأصحاب محمد ، فما كان لمحمد وأصحابه من هذا الأمر شئ ! وقوله تعالى :
« أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ »
فتح لصفحة جديدة ، ولحساب جديد مع هؤلاء المشركين ، بعد وقعة بدر . . فهم بين أمرين : إما أن يرجع راجعهم إلى اللّه ويستجيب لدعوة الحق الذي يدعى إليه ، فيجد المغفرة والرحمة ،