تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعراب القرآن الكريم وبيانه — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
العزيز الحكيم » فن من فنون البلاغة ، منقطع النظير ، صعب الإدراك ، يحتاج المتأمل فيه إلى الكثير من رهافة الحسّ ، وشعوف الطبع ، ويسمى فن التخيير . وحدّده علماء البلاغة بأن يأتي الشاعر أو الناثر بفصل من الكلام أو بيت من الشعر يسوغ أن يقفّى بقواف شتى فيتخير منها قافية مرجحة على سائرها ، ويستدل بإيثاره إياها على حسن اختياره وصدق حسه ، وقد تقضي البداهة الأولى بأن تكون غير ما اختاره ، ولكنه عزف عن ذلك لسرّ دقيق كقول أحدهم :
إنّ الغريب الطويل الذيل ممتهن * فكيف حال غريب ما له قوت
فإنه يسوغ أن يقول : ما له نشب ، أو ما له سيد ، أو ما له أحد . وإذا نظرت إلى ما قاله وهو : « ماله قوت » وجدتها أبلغ من الجميع ، وأدلّ على الفاقة والعوز ، وأمسّ بذكر الحاجة ، وأشجى للقلوب ، وأدعى للاستعطاف . فذلك رجحت على ما سواها .

القول في الآية :

ونعود بعد هذا التعريف السريع لهذا الفن إلى الآية التي نحن بصددها فنقول : إن البداهة البدائية تقضي بأن تكون الفاصلة : « إنك أنت الغفور الرحيم » لملاءمتها لقوله : « إن تغفر » ولمناسبته ما بين الغفران والغفور ، ولكنّ هذا الوهم الناجم عن هذه البداهة سرعان ما يزول أثره عندما يذكر المتوهم أن هؤلاء قد استحقوا العذاب دون الغفران ، فيجب أن تكون الفاصلة : « العزيز الحكيم » إذ لو
اعراب القرآن الكريم وبيانه — صفحة 55 | محيي الدين الدرويش