مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ آل عمران : 64 ] . فإن ذلك لا يعني الاعتراف بربوبية هؤلاء ، بالمعنى الفكري ، وبشكل علني ، بل يعني الالتزام بطاعتهم في كل شيء ، حتى في معصية اللَّه ، والاستغراق الأعمى في ذلك كله .
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ
فليس ضلاله مستندا إلى جهل بالفكر ، أو بمواقع الهدى ، لأن هذا الإنسان قد أخذ بأسباب العلم الذي يمكن أن يصل به إلى مواقع الإيمان أو يعرّفه وسيلة الالتزام به ، ولكنه انطلق في خط الهوى الذي تحوّل إلى غشاء ثقيل غشّى بصيرته ، وأعمى بصره ، فتحول العلم عنده إلى جهل ، أو إلى ما يشبهه ، الأمر الذي جعله يتحرك في متاهات الضياع . أما نسبة الإضلال إلى اللَّه ، فقد يكون بملاحظة الجانب السلبي المتمثل في إهمال اللَّه له وتركه لنفسه ، أو بملاحظة الجانب الإيجابي المتمثل في قانون السببية الذي ربط اللَّه فيه بين الأشياء وجعل اختيار السبب بيد الإنسان ، مما لا ينافي عنصر الاختيار في الأفعال .
وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ
لأن الهوى عندما يغلب على الإنسان ، فإنه يمنعه من سماع الحق ، أو يشوّش عليه ما يسمع ، كما يغلق أمام عقله النافذة الواسعة التي يطل بها على الحقائق ، ويضع الحواجز التي تمنعه من البحث عن الحقائق والوصول إليها من طريق التفكير العميق ، والتأمل الواعي ، تماما كما لو كان سمعه وقلبه مختومين بختم ماديّ يمنعهما من استقبال الكلام النافع ، والفكر الصائب ،
وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً
فهو يبصر سطح الأشياء الظاهر ، من دون أن يحدّق فيها تحديقا دقيقا يمكنه من معرفتها في العمق ، بالمستوى الذي يملك فيه الوصول إلى معرفة مدلولات الأشياء التي يراها ، مما يجعل رؤيته لها رؤية عابرة ، لا يستفيد منها شيئا ، كما لو لم يبصر أيّ شيء ، لأن وجود السمع والقلب أو عدمه يتساويان عندما لا يحصل الإنسان من الوجود على ما ينير فكره ويغيّر واقعه . . أمّا في ما يتعلق بنسبة المسألة إلى اللَّه التي قد تلتقي بفكرة الجبر ، فالجواب عنه هو جواب الفقرة السابقة نفسه .