يبق منه شيء يدركون به أمر الآخرة « 1 » . وعلى ضوء ذلك ، ينسجم المعنى المذكور في الكشاف مع الفقرة التالية
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها
من خلال عدم أخذهم بأسباب العلم ، وحيرتهم أمام حديث الأنبياء عن الآخرة مما يجعلهم في موقع الشك
بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ
لا يدركون منها شيئا ، لأنهم استغرقوا في أجواء اللهو والعبث ، وانصرفوا عن التفكير في أمر الآخرة ، فعاشوا في مواقع العمى الفكري والروحي .
ومن هنا نفهم أن هذا التدرّج في الحديث عنهم ينطلق من دراسة حالتهم النفسية أمام واقع الدليل الذي يفرض الإيمان بالآخرة ويؤدي إلى العلم بها ، أو يثير التفكير بها ، مما يجعل الانصراف عنه وقوعا في الشك والعمى عن الحقيقة .
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ
في نظرة الاستبعاد أمام الشيء الخارج عن المألوف مما يجعل الرفض رفضا في مستوى الشعور الحسي ، لا في مستوى الإدراك العقلي والنظرة الوجدانية العميقة . وتلك هي مشكلة السطح الفكري الذي يتحرك من خلاله هذا النموذج من الناس الذين لم يأخذوا بأسباب المعرفة من مواقعها الفكرية ، بل أخذوا بها من مواقعها الشعورية الانفعالية ، فهم لا يناقشون المسألة من ناحية علاقتها بقدرة اللّه الذي يملك أمر الإعادة كما يملك أمر البدء ، بل يناقشونها من ناحية عدم رؤيتهم لمثل هذا الأمر في ما شاهدوه من مشاهد الحياة والموت ، فكيف يمكن أن يخرج الموتى منهم أو من آبائهم من جوف الأرض ، ليعودوا إلى الحياة ثانية . . ؟ وكيف يمكن أن يصدقوا ذلك وهم لم يألفوه في حياتهم ، ولم يدخلوا في تجربته من موقع المعاناة ؟
لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ
في ما أخبرنا به الأنبياء الماضون
هامش
( 1 ) ( م . س ) ، ج 15 ، ص 388 .