تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
وإذا كان بعض الناس يثير المسألة بصفتها مشكلة أحاطت بالمجتمع الإسلامي في ما أثارته من إرباك وتعقيد وخلل ، في نظرته إلى طبيعة البناء الأخلاقي للبيت النبوي ، مما قد ينعكس سلبا على حركة الالتزام فيه ، أو مستوى الثقة بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذا كان بعض الناس يثيرون المسألة في هذا الاتجاه ، فإن ذلك لا يغيّر من التحفّظات شيئا ، لأنه بإمكان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يواجه المجتمع الإسلامي من حوله بالأحكام الشرعية التي تعالج مثل هذه القضايا ، حيث يتهم فيها الناس بعضهم بعضا دون حجّة ، لتكون هذه الحادثة مدخلا للتوعية العامة وتركيز المفاهيم الإسلامية في وجدان المسلمين ، حتى إذا افترضنا أن حدّ القذف كان لاحقا لقصة الإفك ، لا سابقا لها ، مما يحلّ مشكلة السؤال عن سبب امتناع النبي عن إقامة حد القذف على القائلين ، ولكن ذلك لن يحل مشكلة السؤال عن سرّ امتناع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن استنكار تحريك الإشاعات الكاذبة ، أو القلقة ، أو غير الثابتة بحجة شرعية ، في نواديهم ومجتمعاتهم الخاصة والعامة ، مما يبتعد عن خط العدل . وقد ذكر الكثير من المفسرين أن طهارة البيت النبوي ، وخلوّه مما يسيء إلى العفة ، هو من الأمور التي لا يجهلها النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لأنها تتصل بالجانب العميق من قاعدة الثقة بالرسول والرسالة ، فكيف يرتاب النبي في هذا الأمر ؟ ! إننا نلاحظ أن مثل هذه الروايات لا تتناسب مع ما نعرفه عن شخصية الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الروحية المنفتحة ، التي حدثنا اللّه عنها في أكثر من آية ، حيث نستوحي أنها شخصية ذات خلق عظيم تلتزم بالعلاقات الإنسانية من خلال انفتاح روحه على الخير ، في ما توحي به الرسالة من الخير كله ، ومن العدل كله . . وهي - أي هذه الروايات - توحي بالشخصية القلقة الحائرة التي لا تعرف بسبب الانفعال والحيرة ماذا تفعل وكيف تتصرف ، مما يسيء إليه وإلى أجواء الرسالة .
من وحي القرآن — صفحة 253 | السيد محمد حسين فضل الله