تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
قائما مقام جماعة في عبادة اللَّه نحو قولهم : فلان في نفسه قبيلة « 1 » ، وقيل معناه الإمام المقتدى به ، وقيل إنه كان أمة منحصرة في واحد مدّة من الزمان لم يكن على الأرض موحّد يوحّد اللَّه غيره . وعلى ضوء هذه التفاسير ، نلتقي بشخصية إبراهيم التي تتجمّع فيها خصائص الإنسان الذي تعيش شخصية الأمة فيه وتمتد منه في حركة رسالته ، وتلتقي في أجوائه الروحية ، روحية الجماعة في صورة الفرد . . وربما كان السرّ في ذلك ، أن الرساليين ، ولا سيما الأنبياء منهم ، لا ينطلقون من حالة ذاتية ، تتحول معها الذات إلى دائرة مغلقة تحجبهم عن الآخرين ، وتخنق في داخلهم روح الامتداد ، بل ينطلقون من الروح الرسالية التي تمتد في شخصيتهم ، لتحوي الأمة بأسرها في حركة الرسالة ، فيسقط الحاجز بين روح الفرد وروح الجماعة .
قانِتاً لِلَّهِ
يعيش الطاعة للَّه ، والعبادة له كطبيعة ذاتية تملك الدوام والاستمرار
حَنِيفاً
مائلا عن خط التطرف إلى دائرة الاعتدال في الإخلاص للخط المستقيم الذي يمثله التوحيد .
وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
بل عاش التوحيد في روحه وفكره ووجدانه ، كأفضل ما يكون التوحيد ، وأيّ توحيد أصفى وأنقى من الإسلام للَّه في كل شيء ، حتى إذا خيّر بين أن يطيع اللَّه في ذبح ولده وبين أن يستسلم لعاطفته في الامتناع عن ذلك ، اختار الاستسلام للَّه على الاستسلام لعاطفته
شاكِراً لِأَنْعُمِهِ
في إخلاصه للَّه في عبوديته ، في ما يمثله ذلك من سموّ الشكر وعلوّ شأنه ،
اجْتَباهُ
أي اختاره واصطفاه لرسالته ، لأنه يمثل الشخص الذي تتحرك الرسالة في حياته الداخلية كجزء من ذاته
وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
لما منحه من وضوح الرؤية لما حوله ، ولما أوحى به إليه من رسالته التي تحدد له الطريق وتخطط له خط السير
وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
ربما كان المراد بها
هامش
( 1 ) مفردات الراغب ، ص : 19 .