بل كل ما هناك ، أنها أرض الرسالة ، وساحة الجهاد ، ومجتمع الإسلام ، مما يفرض عليهم الضغط على مشاعرهم الخاصة ، واستبدالها بمشاعر عامة ، تحوّل الجانب الشعوري فيهم ، إلى جانب حيّ ، يتغذى بالعلاقات الإيمانية الإنسانية ، بدلا من العلاقات الذاتية . . من أجل صنع الإنسان الجديد الذي لا يمثل الحرمان من أجل الدعوة إلى اللَّه عنده حالة سلبية في ذاته ، بل يمثل لونا من ألوان الفرح الروحي الذي يعيش اللذّة في رضا اللَّه ، أكثر مما يعيشها في إرضاء نوازعه الذاتية . من هنا ، فإن قيمة الصبر ، تكمن في ما يحققه للمؤمن ، من أجواء روحية تعطيه إمكانية التماسك ، وامتداد التحرك ، ومواجهة الصعوبات بقوّة ، وتحدي التهاويل باطمئنان ، وانتظار المستقبل بثقة ، بالرغم من كل ما يثيره الآخرون أمامه من تهاويل الخطر ، حتى إذا وقف أمام الأشباح المخيفة التي تحملها تهاويل المستقبل الغامض ، كان التوكل على اللَّه هو السبيل للحصول على حالة الهدوء النفسي ، والثقة بالنصر ، من خلال الثقة باللَّه . وهذا ما وصف به اللَّه المهاجرين الصابرين
وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
بما يعنيه مضمون التوكل ، من إرجاع الأمور كلها إلى اللَّه ، في ما لا يملك الإنسان الوسيلة العملية للتخلص منه ، أو لمواجهته بالإمكانات العاديّة ، لأن اللَّه هو الذي يملك الأمر كله وهو المستعان في كل شيء . وبذلك فلن تتوقف المسيرة بالتوكل ، بل تبقى مستمرة في خط الدعوة إلى اللَّه والجهاد في سبيله ، مهما أثير أمام الدعاة من عقبات وتحديات وتهاويل ، غير أنها تحاول التقاط أنفاسها لتعيد النظر في خططها ، وفي ما قطعته من مراحل على الطريق ، وفي ما بقي لها منه . . . وفي ما تواجهه من حواجز وموانع ، لتفكر في ذلك كله ، ولتدبر منه ما تستطيع تدبيره ، وتحلّ منه ما يمكن أن تجد له حلا ، ثم تتوكل على اللَّه في ما لا تستطيع السيطرة عليه ، وتترك الأمر فيه إليه ، وهذا ما يجعل من التوكل مصدر حركة واعية في الواقع ، لا مصدر هروب من مواجهته .