الإسلام في المجتمع الجديد ، ثم الالتفاف ، بالقوّة الجديدة على المجتمع القديم .
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا
، هؤلاء الذين هاجروا من مكة إلى المدينة ، من أجل أن تكون العبادة للَّه وحده ، ومن أجل أن يكون الدين كله للَّه . . . والهجرة في اللَّه ، هي الهجرة في سبيله ومن أجله ، على أساس حماية دينه ودعوته من ضغط الضاغطين ، وتعسّف المتعسّفين . . . فقد هاجر هؤلاء ، لا طلبا للراحة ، ولا هروبا من المسؤولية ، كما يفعل بعض الناس ، ممن لا يريدون أن يواجهوا مشاكل التحدي ونتائجه السلبيّة ، بل هاجروا ، بعد أن ثبتوا وقتا طويلا ، وبعد أن ظلموا من قبل الكافرين ، وتحمّلوا الكثير من العذاب ، من موقع الإصرار على الثبات في الإيمان ، والاستمرار في الدعوة ، حتى اهتزت الأرض تحت أقدامهم ، فلم يعد لهم مجال للبقاء هناك ، أو التأثير في الدعوة ، في الوقت الذي كانت فيه الأرض الجديدة تنتظرهم ، ليقوموا بمسؤولية الدعوة فيها ، وليجاهدوا فيها ، ضد التحديات الكافرة التي بدأت تحشد كل قوتها أمام الدعوة الإسلامية الجديدة .
وليست الآية - في مضمونها الرسالي - مختصة بالمهاجرين الأولين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة ، أو إلى الحبشة ، بل تشمل كل الذين يهاجرون في اللَّه ، ممن تضطهدهم القوى الكافرة أو الطاغية ، لأنهم قالوا ربنا اللَّه ودعوا إليه وجاهدوا في سبيله ، فيتحركون إلى مواقع أخرى ، من أجل التخلص من ضغط الحصار على الكلمة والحركة وعلى الدعوة . . . ليأخذوا لأنفسهم حرية الحركة في الساحة ، من أجل بناء قوّة جديدة ، ومجتمع إسلاميّ جديد . إن الهجرة تمثل الخط الطويل المستمر الذي تتلاحق فيه حركة الأمة في أجيالها المتعاقبة ، في سبيل أن يكون الدين كله للَّه ، وأن تتحرك الحياة من خلال وحيه ، وأن يلتقي الناس حول منهاجه وشريعته . . . وبهذا كان وعد اللَّه مستمرا للمهاجرين الجُدد ، كما كان للمهاجرين القدامي ، الذين ظلموا