مسئوليتها ، على أساس الوعي للنتائج السلبية في هذا الجانب ، وللنتائج الإيجابية في الجانب الآخر . . فتقوم الحجة عليه ، بذلك ، من عند اللَّه ، لتكون الحجة البالغة له في كل عناصر الاختيار لدى الإنسان
قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
. إن لك أن تعيش جنبا إلى جنب مع هذا الإنسان في جميع مجالات حياته ، فالساحات مفتوحة لك معه ، كما هي الساحات مفتوحة له معك ، لكلّ منكما إمكانات الصراع وأدواته ، ومن الطبيعيّ أن تكون الغلبة للأقوى في هذه الساحات ، لتقفوا غدا بين يديّ في اليوم الحاسم المعلوم الذي يعرفه المطيعون والعاصون على السواء . وبذلك حصل إبليس على ما يريد ، فاطمأنّ وبدأ يكشف عن نواياه وعن مشاريعه التضليلية في حياة الإنسان .
قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي
وألقيت بي في مهاوي الغيّ ، ومواقع الضلال ، وأبعدتنى عن ساحات رحمتك وطردتني من جنتك ، بسبب هذا المخلوق الضعيف
لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
المعصية ، وأحوّل الحق في نظرهم إلى باطل ، وأتفنّن في إبداع وسائل الإغواء والإغراء ، وفي تغيير الصورة الحقيقية للأشياء ، فأجعل الحسن قبيحا عندهم ، وأجعل القبيح حسنا في نظرهم ، وأزيّن لهم الأوضاع المنحرفة الشاذّة ، لتبدو مستقيمة معقولة لديهم ، حتى أصرفهم عنك وعن صراطك المستقيم ،
وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
لأني أملك لكل فريق منهم وسيلة تمكنني من دخول عقله وقلبه ، فهناك من يغويه الجمال ، أو المال ، أو الجاه ، وهناك من تغويه العصبية ، وتتحكم به الأنانية ، وهناك من تلعب به الأوهام ، وتضيّعه الأحلام ، وتعبث به الأفراح والآلام . . وهكذا أجلب الجميع إلى ساحتي ، حيث الغواية اللاهية العابثة التي ترهق العقل ، وتتعب الفكر ، فلا يهتدي إلى الرشد سبيلا ،
إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
الذين أدركوا الحقيقة في عمق المعرفة ، فأخلصوا لك من خلال صفاء العقيدة ، وروحيّة الإيمان ، وصلابة الموقف ، وصدق الالتزام ، فراقبوك في سرّهم وعلانيتهم ، فخلصت لك نيّاتهم وأعمالهم ، وأحسّوا تجاه ربوبيتك