ولكن لماذا بيّن اللَّه لنا هذه الحقيقة التكوينية ؟
لعل السبب في ذلك أن إبليس كان من الجن ، كما شرح اللَّه لنا في آية أخرى ، وأن شعوره بامتياز مادّة خلقه وهي النار على التراب الذي هو مادة خلق الإنسان ، هو الذي جعله يرفض الأمر الإلهي بالسجود للإنسان .
الأمر بالسجود لآدم
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ
كملت خلقه حتى تمّت صورته
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
توحي كلمة النفخ بوجود تجويف داخليّ ، لأن معنى النفخ إدخال الهواء في الجسم بفم أو بغيره ، وتوحي كلمة ( روحي ) بقدرة اللَّه الذي أبدع الروح في داخل جسم الإنسان ، كقوّة مستقلة في ذاتها عن البدن ، ولكنها تتصل به لتحرك فيه الحياة ، ثم تنفصل عنه - بعد ذلك - لتموت فيه الحركة والحياة .
فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
لأن هذا المخلوق يتميز بصفات تجعله في موقع متقدم عن غيره من الموجودات ، لحملة رسالاتي ، وقيامه بعبادتي ، وإرادته شؤون بناء الحياة على الأرض خلافة لي ، وتحكيمه الإرادة القويّة في عملية الاختيار بين الخير والشر في عملية المواجهة والصراع وغير ذلك من الأمور التي تجعل منه مخلوقا مميّزا ، مما يفرض على الملائكة أن يسجدوا له ، تحيّة للَّه وخضوعا ، أو يسجدوا لآدم ، تعبيرا عن خضوعهم لما يريد اللَّه أن يخدموا به مصالحه التي أوكل اللَّه إليهم أمرها كما يحتمل بعض المفسرين . وعلى كل حال ، فإنه أمر إلهيٌّ لا بد من إطاعته ، كأيّ أمر آخر ، وليس للملائكة الاعتراض ، أو السؤال عما لا يريد اللَّه أن يعرّفهم به . وهكذا وقف الملائكة وقفة الخضوع للَّه
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
لم يتخلف منهم أحد عن هذه الفريضة
إِلَّا إِبْلِيسَ
الذي كان يعيش في مجتمع الملائكة كأيّ واحد منهم ، وهكذا كان الأمر متوجها إليه ،