اللَّه قد أبدع السماوات والأرض ، في ما يعنيه الإبداع من القدرة المطلقة ، والغنى المطلق ، فكيف يمكن أن يكون له ولد ؟ !
أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ
لما يمثله الولد من حاجة وضعف ، فإن الإنسان ، في تمنيه للولد ، ينطلق من حاجة خفيّة إلى الخلود ، وهو ما لا يستطيع تحقيقه غالبا إلا عبر أولاده الذين تمثل حياتهم امتدادا لحياته . واللَّه هو الخالق الحي الأبدي السرمديّ الذي لا معنى للحاجة لديه ولا معنى لمجرّد تصورّها فيه .
وإذا كان الولد - في مفهوم الناس - هو نتيجة العلاقة بين الرجل والمرأة ، فكيف يمكن نسبته إلى اللَّه
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ
؟ فذلك لا معنى له أيضا لأن الحاجة إلى الصاحبة ، في مسألة الولد ، تنطلق من كونها وسيلة لإنجابه ، فكيف يتصوّر ذلك في اللَّه الخالق لكل شيء الذي يخلق ما يريده بشكل مباشر
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
مما يوحي بالسيطرة المطلقة لما تعنيه الإحاطة بخفايا الأشياء والقدرة عليها .
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ
في التصور الصافي الذي توحي به الفطرة ، ويستقل به الوجدان ، فلا ينحرف بكم التصور إلى الأوهام من الخرافات . .
وربما كان اسم الإشارة
ذلِكُمُ
من أجل تأكيد الصورة الواحدة للعقيدة البارزة في حركة الحقيقة في الفكر ، حتى لا يضيع الإنسان في متاهات التصوّر بين الصور المتعدّدة ، فيعرف الإنسان ربّه ، كما لو كان في متناول الحس ، في ما يعنيه الوضوح الصافي ، الذي يبرّر التعبير عن غير المحسوس ، بأسلوب التعبير عن المحسوس . .
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
أمّا هؤلاء الذين لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ، فهم مظاهر قدرته ، فمنه يستمدّون الحياة في كل شيء فكيف تتخذونهم أربابا من دون اللَّه ؟ !