روحيّة الموعظة التي تفتح القلب على اللَّه في أجواء التأملات الذاتية الهادئة أمام قضية المصير .
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
بل وقفوا أمامه وقفة الإنسان الذي لا يحس بأجواء العظمة في ما توحيه ذاته من الخشية والرهبة والخضوع ، فكانوا - في موقفهم هذا - كمن يستهين بعظمة اللَّه وسطوته وقوّته وقدرته ، فلم يشعروا بالمسؤولية في ما يواجهون به رسله من التحديات ، أو يؤمنون به من أفكار ، وفي ما يثيرونه من شبهات ويتخذونه من مواقف ، ولم يخافوا من نتائج مواقفهم تلك .
إن الذين يخافون اللَّه هم الذين يقدّرون تصرفاتهم لجهة ما يأخذون وما يتركون ، تبعا للمواقع التي ينتظرونها في مواقفهم أمامه في اللحظات الحاسمة للحساب ، أمّا الذين لا يبالون بما يصدر منهم من قول أو فعل ، من حيث ارتباطه بحركة المسؤولية في حياتهم ، فهم الذين لا يقدرون اللَّه حق قدره ، وهذا ما يتمثّل في موقف هؤلاء
إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ
، لأن مثل هذا القول يدلّل على افتقادهم للوعي المسؤول ، لأنهم لا يملكون أيّة حجة عليه ، مما يعرّضهم لسخط اللَّه وعذابه الذي توعّد القائلين عليه بغير علم ، بالعقاب والعذاب الأليم .
وكيف يملكون الحجة على النفي ، في ما لا يستطيعون الإحاطة به من فعل اللَّه ؟ ! فإن صعوبة إقامة الحجة على النفي تزيد كثيرا عن إقامتها على الإثبات ، لأن الإيجاب محدود بحدود الفعل من حيث الزمان والمكان ، بينما يشمل السلب المطلق كل آفاق الموضوع .
وربما كان المعنى أن تقدير اللَّه حق قدره يفرض إيمانهم بحقيقة الألوهية في خصائصها الربوبية من حيث إرسال الرسل وإنزال الكتب التي تقود الناس إلى ما يصلح أمرهم وشؤونهم الروحية والأخلاقية ، والمعارف