تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
أمّا الاحتمال الأوّل ، فقد يقرّبه القائلون ، أن تكون الحادثة قد حصلت في بداية طفولته ، عندما بدأ يتطلع إلى الأشياء ، ويتأمل في الخلق . ولعل هذا هو الذي نستوحيه من الجو النفسي الساذج الذي توحي به الآية . فهذا هو إبراهيم يواجه الكوكب البعيد في السماء ولكنه يشرق في قلب الظلام ، فيشعر بالرهبة والروعة ، فيصرخ - في هذه مثل اللهفة -
هذا رَبِّي
، انطلاقا مما كان يسمعه بأن الإله بعيد بعيد عن الإنسان ، فلمّا أفل أحس بالانقباض وقال :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
، فقد نجد في كلمة
لا أُحِبُّ
بعض كلمات الطفولة البريئة ، التي تحبّ أو لا تحبُّ من خلال مشاعرها الساذجة إزاء الأشياء ، وتتكرر التجربة مع القمر ، وتنطلق الصرخة الطفولية من جديد ، تماما كمثل الهتاف الذي يهتف به الطفل عندما يجد شيئا قد أضاعه ، أو شيئا قد طلبه . . وتتكرر خيبة الأمل من جديد . ولكن الوعي يتنامى هنا ، فلا نجد ردّ الفعل طفوليا ، بل نلاحظ في ردّة الفعل حالة حيرة وذهول وتوسّل إلى هذا الرب المجهول الذي يتمثله في وعيه هاديا لعباده ، أن يهديه إلى الحق لئلا يكون من القوم الضالين . . وتشرق الشمس في هذا الدفق اللاهب من النور الذهبي في إطار هذا الوجه الواسع الذي يتفايض بالشعاع كما يتفايض الينبوع بالماء الصافي الرقراق ، فتكبر الصرخة في طفولية ظاهرة :
هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ
ويكون الاعتبار هذه المرة للحجم ، في ما لا توحي به إلا أفكار الطفل أو ما يشبه الطفل ، لأن الأشياء الكبيرة توحي للفكر الساذج بالهيبة والعظمة ، بما لا توحي به الأشياء الأقل حجما . . وتتجدد خيبة الأمل بالأفول ، ولكن تلك الإشراقة الساطعة للشمس استطاعت أن تبعث في قلبه إشراقة الإيمان الرافض لكل هذه الأوهام والظنون ، هذه هي وجهة نظر هؤلاء ، ولكننا قدمنا أن الاحتمال الثاني أقرب لأن حديث القرآن عن إبراهيم عليه السّلام لا يوحي بشيء من هذا القبيل ، مما يدل على أنه كان موحدا بالفطرة منذ البداية .
من وحي القرآن — صفحة 183 | السيد محمد حسين فضل الله