تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
محاكاة استعراضيّة للأجواء المحيطة به ، في ما يعتقده الناس من ألوهية الكواكب والقمر والشمس ، في محاولة إيحائية لمن حوله بسخافة هذه العقائد وتفاهتها وضعفها أمام المنطق الوجداني الصافي ، وذلك من موقع ابتعاده عنها بعد اقترابه منها ، مما يعطي لموقفه بعض القوّة في الإيحاء ، باعتباره الموقف الذي عاش التجربة وعاناها ، ثم تمرّد عليها ؟ إننا نعتقد أن هذا هو الرأي الأقرب الذي يلتقي مع شخصية إبراهيم عليه السّلام في ما حدثنا القرآن عن حياته ؛ فنحن لم نلمح - في غير هذه الآية - حالة تأثره بالجوّ المحيط به ، بل ربما نرى الأمر - بالعكس من ذلك - حالة تمرّد على البيئة حتى في ما يتعلق بالجو العائلي المتمثل في أبيه الذي نقل لنا القرآن موقف إبراهيم عليه السّلام منه ، وقد نستطيع استيحاء الآية السابقة التي حدثنا القرآن فيها عن كلام إبراهيم لأبيه حول الأصنام التي يعبدها أن هذا الموقف سابق لموقفه من هذه العقائد . . هذا بالإضافة إلى أن الرؤية التي حدثنا اللَّه عنها لملكوت السماوات والأرض ، لا بدّ من أن تكون الرؤية الوجدانية الواعية التي تحاول أن تثير التفكير من خلالها وليست الرؤية البصرية الساذجة ، لأنها تبدأ مع الإنسان منذ اللحظة التي يفتح فيها عينيه على الحياة ليتطلع إلى ما فيها من موجودات يدركها البصر . وربما كانت كلمة
وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
إشارة إلى ذلك ، لتلتقي بكلمة
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
[ البقرة : 260 ] مما يوحي بأن إبراهيم كان يعيش حركة الفكر الذي يريد أن ينمي من خلاله أفكاره وإيمانه ، بكل الأشياء التي تركز للفكرة قوّتها وفاعليتها وثباتها وحركتها أمام التحديات التي تواجهها ، حتى في ما يشبه الأوهام ، ليواجه الصراع الذي يعيشه ، بانفتاح وقناعة وقوّة لا تعرف الضعف ولا التراجع في كل المجالات .