تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً
في صفاء الليل ، ووداعة السكون ، وكان الشعاع الفضي الساحر يلقي على الكون دفقا من النور الهادىء الذي يتسلل إلى العيون فيوحي إليها بالخدر اللذيذ ، ويخترق القلوب فيوحي إليها بالأحلام الساحرة ، ويطل على الطبيعة فيغلّفها بغلافه الشفّاف الوادع الذي يثير في آفاقها الكثير من الأحلام ، وبدأت المقارنة بين ذلك النور الكوكبيّ الذي يأتي إلينا متعبا واهنا في جهد كبير ، وبين هذا النور القمري الذي يتدفق كشلّال في قلب الأفق ، فأين هذا من ذاك ، فهذا هو السرّ الإلهي الذي كان يبحث عنه ،
قالَ هذا رَبِّي
وعاش معه في حالة روحية من التصوّف والعبادة لهذا الربّ النورانيّ الذي يتمثل في السماء قطعة فضيّة من النور الهادىء الساحر ، وفجأة بدأ الشعاع يبهت ، ثم يغيب ، وانطلقت الحيرة في وعيه من جديد . . أين ذهب الإله وأين غاب ؟ وهل يمكن للإله أن يغيب ويأفل ؟ وضجّت علامات الاستفهام في روحه تتساءل من هو الإله ؟ وأين هو ؟ وعاش في التصور الضبابيّ المبهم الغارق في الغموض يتوسل بالربّ الذي لا يعرف كنهه ، أن يهديه سواء السبيل لئلا يضل ويضيع . .
فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
وما زال ينتظر وضوح الحقيقة . وفجأة أشرقت الشمس بأشعتها الذهبيّة الدافئة فأخذت عليه وجدانه . .
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ
فأين حجم الشمس ، من حجم القمر والكواكب ؟ ! فلا بد من أن تكون هي الإله الذي يبحث عنه ، لأنها تتميّز عنهما بصفات كثيرة ، وبدأ يتابعها وهي تتوهّج وتشتعل ، وتملأ الكون كله دفئا وحياة وإشراقا وجمالا ، فإذا به يهتزّ ويتحرّك في قوّة وامتداد وحيويّة دافقة ، ولكن ، ماذا ؟ وبدأ يفكر ، فها هي تبهت وتبرد وتكاد تتضاءل . . ثم تغيب وتأفل . . وتترك الكون في ظلام دامس ، فكيف يمكن أن تكون إلها تعيش الحياة في قدرته وقوّته ما دامت تغيب مع المجهول تاركة الكون كله في ظلام وفراغ ؟ وأطلق الصرخة فيمن حوله من هؤلاء الناس الذين يعبدون
من وحي القرآن — صفحة 180 | السيد محمد حسين فضل الله