تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
هي الرؤية الواعية الفاحصة المدققة التي تثير في النفس المزيد من التأمّل والحوار والاستنتاج بدليل قوله تعالى :
وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
مما يوحي بأنها الرؤية التي تبعث على القناعة واليقين . وأخذ يستعرض عقليا عقائد قومه في عبادتهم للكواكب وللقمر والشمس ، وهكذا التقى بالكواكب المتناثرة في السماء ، في صورة بديعة في روعة التنسيق والتكوين ، فما إن لمح كوكبا يتلألأ ويشع في قلب هذا الظلام المترامي ، حتى سيطرت عليه أجواء الروعة ، واستولى على فكره الخشوع الروحيّ أمام هذا الشعاع الهادي في الأفق البعيد ، فخيّل إليه أن هذا هو الإله العظيم الذي يتعبد الناس إليه ، لأن الفكرة الساذجة تجعله في الأفق الأعلى البعيد ، الذي تتطلع إليه الأبصار برهبة وخشوع ، ولا تستطيع الخلائق أن تصل إليه أو تدرك كنهه .
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي
في صرخة الإنسان الطيّب الساذج الذي خيل إليه أنه اكتشف السرّ الكبير الذي يبحث عنه كل الناس ، كما لو لم يكتشفه أحد غيره ، وكأنّه أقبل إليه في خشوع العابد ، وفي لهفة المسحور ، وفي اندفاعة الإيمان ، وربما ردّد هذه الكلمة
هذا رَبِّي
ليوحي لنفسه بالحقيقة التي اكتشفها بعيدا عن كل حالات الشك والريب ، وبدأ الليل يقترب من نهايته ، وبدأت الكواكب تشحب وتفقد لمعانها ، ثم بدأت تبهت ، وتبهت حتى غابت عن العيون ، وحاول أن يلاحقها هنا وهناك ، لقد ضاع الإله في الأجواء الأولى للصباح ، وانكشفت له الحقيقة الصارخة ، فقد كان يعيش في وهم كبير ، لقد أفل الكوكب ، ولكن الإله لا يأفل لأنه القوّة التي تمثل الحضور الدائم في الحياة كلها ، فلا يمكن أن تبتعد عن حركتها المتنوعة لأن ذلك يتنافى مع الرعاية المطلقة للكون ولما فيه من موجودات حيّة وغير حيّة ، واهتزت قناعاته من جديد ، وبدأ يسخر بالفكرة :
فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
.