الألوهيّة أو أي سر من أسرارها ، بل كانت آيات اللّه الظاهرة على يديه كالآيات الظاهرة على أيدي الرسل الذين سبقوه ، من دون فرق إلا في الشكل تبعا للظروف الّتي تتنوع من خلالها المعجزة . ولم يكن في أمّه أيّ سر من أسرار القداسة الغيبية التي توحي بعبادتها من قبل الناس ، بل كانت قداستها الروحية بإخلاصها للّه وصدقها في إيمانها به كأية مؤمنة تقيّة أخرى ولكن بدرجة أكبر وقيمة أعلى لأن اللّه فضّلها على نساء العالمين . وقد
كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
، كما يأكله بقيّة البشر ، في نوعيته وطريقته ، فليس هناك أكل إلهي أو طريقة إلهيّة في الأكل . وذلك هو دليل المادية والحاجة والفاقة المنافية للألوهية ، فكيف يؤلهون من هذا شأنه ؟
انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
، يكذبون ويتبعون الإفك من دون شعور بالمسؤوليّة في خط العقيدة والعمل ويستمر التساؤل ليؤكد الصورة ، وليعمق الإحساس بالعبث في ما يمارسونه من شؤون الفكر ،
قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً
فما ذا يملك عيسى عليه السّلام من مقومات القوة الذاتية الّتي يستطيع من خلالها أن يمنحكم النفع أو يدفع عنكم الضرر ؟ إنه لا يملك شيئا من ذلك في ذاته ، بل هو بشر كبقيّة البشر في قدراته الطبيعيّة وليس له شيء أكثر من ذلك إلا في ما أجراه اللّه على يديه من آياته مما أراده اللّه من مواجهة الرسالة للتحدي من أجل إخضاع الكفر والكافرين بطريقة المعجزة ولكنها شأن من الشؤون الّتي لا تملك امتدادا ولا عمقا في شخصيته ، فلها وقتها المعين ، وحدودها الخاصة . ويتحرك بعد ذلك الإنسان في عيسى عليه السّلام بقدرته المحدودة الّتي لا تملك نفعا ولا ضرا لنفسها ولا لأحد ، فكيف تسيرون في هذا الاتجاه ؟ وكيف تأمنون على أنفسكم المسؤوليّة غدا أمام اللّه الذي يسمع ما تقولون ، ويعلم ما تضمرون
وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ