تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 558

مساهمون:

ص٥٥٨
الفطرة الصافية عن قرب ، لأن ذلك هو السبيل الصحيح للإيمان الحق ، حيث يهيّئ الجو للفطرة أن تمتد وتتحرك من أجل الوصول إلى الحقيقة من أقرب طريق . . . وبهذا ندرك أن القرآن الكريم لم يدخل مع هؤلاء في جدل فلسفي حول قضية التثليث والوحدة وما يلزم ذلك أو يستتبعه من الوقوع في الفروض المستحيلة ، بل اكتفى بالتأكيد على الوحدة التي يقرها هؤلاء ، وتقتضيها الأدلة ، ثم أطلق النهي عن القول بالتثليث ، وأكّد كفر القائلين به ، لأنه يتنافى مع التوحيد الذي يرفض تعدد مظاهر الطبيعة الواحدة ، كما يفرض تعدد الطبائع ؛ فإن التوحيد الإلهي ، لا يلتقي بأيّ معنى من هذه المعاني . وترك للفطرة أن تقارن - بعد ذلك - وتحكيم ، دون أن يحدّد لها تفاصيل المقارنة والحكم ، انطلاقا من المنهج القرآني الذي يحاول أن يشقّ الطريق للفكر ويدلّه على المنهج ، ثم يدع له أمر سلوكه أو الاطلاع على ما فيه ، والاستفادة من كل ذلك في كل ما يريد ؛ ذلك هو الخط العريض للفكرة ، من وجهة عامة . أمّا قضية المسيح عيسى ابن مريم بالذات ، فلا يمكن أن يتصور فيها ذلك ، مع غضّ النظر عن استحالة الفكرة في ذاتها ، لأن فكرة ابن اللَّه تلتقي مع فكرة أنه اللَّه ، كما أشرنا إلى ذلك في ما تقدم من حديث ، وكيف يمكننا أن نقرّ بذلك في ما يتصف بكل خصائص البشرية ولوازمها ، تماما كأيّ بشر عادي ؟ وقد ركّز القرآن في أكثر من آية على استعراض الخصائص البشرية في وجود عيسى منذ ولادته إلى أن رفعه اللَّه إليه ، ثم أفاض في وصف ولادته وما أحاط بها من العوارض التي عرضت له في حياته ، كجسد يتأثر بكل ما يتأثّر به الجسد في دائرة الحياة والموت ، مما يتنافى مع أية طبيعة إلهية . أما قصة ولادته الخارجة عن نواميس الطبيعة العادية ، وما قام به من معاجز وخوارق ، فلا يمكن اعتبارها دليلا على الجانب الإلهي فيه ، لأن
من وحي القرآن — صفحة 558 | السيد محمد حسين فضل الله