تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 556

مساهمون:

ص٥٥٦
في ما أفاضه على جسد آدم الهامد الجامد الخالي من الروح ، كما أفاضها على مريم الخالية عن أسباب الولادة الطبيعية ، ولهذا التقت الكلمات القرآنية في التعبير عنهما ، فنقرأ - مثلا - في قصة آدم في حوار اللَّه مع الملائكة في الآية الكريمة :
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
[ ص : 71 - 72 ] . ونقرأ في قصة مريم وابنها ، قوله تعالى :
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 91 ] . أما وصف عيسى بالكلمة ، فلأن وجوده انطلق من كلمة الإيجاد المتمثلة في قوله تعالى :
لكِنْ
المعبر عن إرادته سبحانه ، من دون تخلّل الأسباب الطبيعية خلافا للناس الآخرين ، مع أن الجميع خاضعون لإرادة اللَّه وقدرته التكوينية . ولعل الخلاف بين المفسرين في ما يتعلق بالكلمة ، وبالروح خاضع لطريقتهم في فهم القرآن الكريم ، على أساس الاستنطاق الحرفي لمعنى الكلمتين ، والابتعاد عن الجو الذي يحكم الفكرة ، وهو الجو الذي تتحرك فيه القدرة الإلهية بشكل غير مألوف ، ممّا يصحح الطريقة الكنائية في التعبير ، التي يسوغ - معها - اعتباره مصداقا لروح اللَّه ، أو نفخة من روحه تماما ، مع الفارق الكبير في التشبيه ، كما يقول الأديب أو الشاعر عن القصيدة أو الأثر الفني الذي يصدر عنه : بأنها قطعة من روحه ، أو أنها ذوب روحه ، أو أنه أودع فيها روحه ، للتدليل على ما بذله فيها من جهد فني أو صرفه عليها من طاقة . ومن الطبيعي أن ذلك لا يصلح للانطباق على أفعال اللَّه بشكل دقيق ، على أساس المعنى الحقيقي للكلمة ، لأن الجهد لا معنى له في ما يخلقه اللَّه ، ولكنه يتجسّد في مظهر القدرة وعظمة الخلق ؛ وبهذا يكون التعبير بالروح التي نفخها اللَّه في الجسد أو اعتبرها المخلوق نفسه ، كناية عن قدرة